حوار محمد أكسم
ليست كل الشخصيات التي تمر أمامنا في عالم الأدب تترك الأثر نفسه؛ فهناك من يكتب الكلمات، وهناك من يمنحها روحًا تجعلها قادرة على ملامسة القلوب والبقاء طويلًا في الذاكرة.
ولونا قصير واحدة من تلك الشخصيات الاستثنائية التي جمعت بين حس الكاتبة، وخيال الروائية، ووعي السيناريست، فاستطاعت أن تصنع لنفسها حضورًا مختلفًا يلفت الانتباه منذ اللحظة الأولى
تملك لونا قصير شخصية تجمع بين الجمال الراقي، والشياكة الهادئة، والثقافة الواسعة التي تنعكس في حديثها وأفكارها وطريقتها الخاصة في رؤية العالم, كما تتميز بحضور أنيق يعكس شخصية واثقة ومتصالحة مع ذاتها، وبجمال هادئ يكتمل بجمال الفكر ورقي الروح, وحين تتحدث، فهي لا تعتمد فقط على الموهبة، بل على عقل شديد الذكاء، وروح شغوفة بالمعرفة، وقدرة لافتة على الغوص داخل التفاصيل الإنسانية العميقة، وتحويلها إلى حكايات نابضة بالمشاعر والحياة.
ما يميزها حقًا هو تلك الجرأة الفكرية التي تظهر في أعمالها وطريقتها في طرح القضايا الإنسانية، دون أن تفقد حسها الراقي أو إنسانيتها الدافئة. فهي تكتب بوعي امرأة تعرف الحياة جيدًا، وتشعر بالناس بصدق، وتؤمن أن الأدب ليس مجرد كلمات جميلة، بل رسالة قادرة على كشف ما نخفيه داخل أرواحنا، ومواجهة الأسئلة التي نخشى الاعتراف بها.
وفي حضورها الإنساني، تبدو لونا قريبة من الجميع؛ تحمل قلبًا مليئًا بالمشاعر الصادقة.
في هذا الحوار، نقترب من لونا قصير بعيدًا عن الصورة التقليدية للكاتبة والسيناريست، لنكتشف امرأة تمتلك مزيجًا نادرًا من الذكاء والجمال والثقافة والإنسانية، وتؤمن أن الإبداع الحقيقي هو ذلك القادر على أن يترك أثرًا جميلًا في القلب والعقل معًا.
فى البداية نرحب بالروائية والسينارست لونا قصير أهلا بكم فى موقع جريدة المصور نيوز
إليكم الجزء الأول من الحوار

• القارئ يتسائل من هى لونا قصير بعيداً عن الأضواء والشهرة؟
أنا إنسانة عادية جداً، عفوية طبيعية، أصنع من تفاصيل تجاربي وحياتي كل ما يدور من حولي روايات تمس الواقع بأسلوب شفاف وواقعي.
• ولدتى بين ثقافتين، لبنانية وفرنسية، وعشتى تجربة الحرب والهجرة في سن مبكرة، كيف انعكست هذه التجارب على رؤيتك للإنسان وللكتابة؟
بين الثقافة الغربية والشرقية، تشكلت رؤيتي وميزت بين عالمين؛ لاسيما وأنني عشت في فرنسا خلال مرحلة المراهقة, وهي مرحلة عمرية حرجة وحاسمة، يكون فيها عقل المراهق أشبه بالأسفنجة، يلتقط بشغف كل ما يحيط به ويتأثر بما يعجبه، دون أن يتخلى في الوقت ذاته عن المبادئ والقيم الأصيلة التي نشأ وتربى عليها.
أبهرتني في الغرب مساحات الحرية المتاحة، وغياب التمييز بين الشاب والفتاة في الحقوق والتعامل، وهو أمر لم يكن متاحاً أو مقبولاً في مجتمعاتنا الشرقية آنذاك,
وعندما عدتُ إلى لبنان، نقلتُ هذه التجربة الواعية إلى حياتي الواقعية؛ فبات لديّ أصدقاء كُثر من الجنس الآخر، وتلفّعتُ بنظرة طبيعية وإنسانية تتجاوز الفروقات الجندرية الضيقة, هذه التجربة الغنية، والمحطات الكثيرة التي مررت بها، لم تذهب سدى، بل صهرتُها وسكبتُ قسماً كبيراً منها في صفحات روايتي “بلاد القبلات” ومن بعدها رواية “فراشة التّوت “.
اليوم، ونحن نعيش في عصر الانفتاح والعولمة، بتنا نمتلك ما يُعرف بـ “الذكاء الاجتماعي الرقمي”، الذي يتيح لنا التواصل العابر للقارات مع مختلف الفئات والثقافات,ومع ذلك، يظل هذا الانفتاح في بعض المجتمعات مجرد “تابو” (محرم اجتماعي)؛ بمعنى أنه يظل حبيساً خلف الشاشات الخفية والعالم الافتراضي، ولا يجد له طريقاً للتحقق على أرض الواقع، نظراً للقيود البيئية والموروثات التقليدية الصارمة التي تحكم كل شخص وتحدد سقف حريته بناءً على المنبت الذي نشأ فيه.
• بعد سنوات من العمل في الإدارة والتسويق والعلاقات العامة، اتخذتِ قرارًا بالتفرغ الكامل للأدب، هل كان ذلك قرارًا عقلانيًا أم استجابة لنداء داخلي لم يعد يحتمل التأجيل؟
تنقلتُ في حياتي المهنية بين مجالات عديدة ومختلفة، وفي كل محطة كنتُ أعمل وأتعلم وأنه لم يكن هناك رابط يجمع بين تلك المهن.
لم أكن أدرك حينها أنني أمتلك موهبة أدبية دفينة، رغماً عن أنني منذ حداثة سني كنتُ دؤوبة على كتابة يومياتي، وهو الأمر الذي جعل الأحداث والذكريات ترسخ في وجداني، وتمنحني لاحقاً الزخم والقدرة على غزل روايات تتأرجح بمرونة بين الماضي والحاضر، وتتدفق على الورق بما يخدم النص الروائي.
ففي مرحلة الدراسة،كان يُطلب مني كتابة صفحة واحدة، كنتُ أجد نفسي أسطر عشرات الصفحات مسترسلةً خارج الإطار التقليدي للموضوع, تجسد هذا التمرد الأدبي لاحقاً في حياتي المهنية، وتحديداً أثناء عملي في شركة أمريكية؛ حيث كُلِّفتُ بترجمة نصوص من الإنجليزية إلى العربية.
ورغم أن المادة كانت تقنية بحتة وجافة، إلا أنني لم أستطع كبح قلمي، فاستفضتُ في الترجمة وسكبتُ فيها من روحي ومشاعري.
هذا الأسلوب الفريد أثار إعجاب المسؤول وقتها، ووافق على تسليمي المنصب قائلاً بتقدير “إنني معجب بكتاباتكِ، وأريد نصاً يقبله ويفهمه الجميع، وليس التقنيين فقط”.
وفي عام 2014، وبعد رحلة حافلة بالتجارب والاغتراب بين فرنسا، وقطر، وسلطنة عُمان، ولبنان، قررتُ أن أبدأ في صياغة بعض النصوص، ولم يكن في نيتي آنذاك سوى توثيق تلك الخواطر لنفسي وتركها كذكرى. لكن التحول الأكبر حدث عندما قرأ تلك النصوص أستاذي، وهو روائي مخضرم في اللغة العربية؛ إذ أصيب بذهول وانبهر بأسلوبي قائلاً “أنتِ لستِ هاوية.. ومكانكِ ليس هنا، يجب أن تكملي هذا الطريق”.

• في أعمالك الروائية نجد الإنسان حاضرًا قبل الحدث، والروح قبل الحبكة، ما الفلسفة التي تنطلقين منها في بناء رواياتك؟
من الطبيعي جداً أن تتوجه كتاباتي نحو المجتمع، وتحديداً نحو “الإنسان”؛ فرواياتي في جوهرها اجتماعية وإنسانية بحتة,هذا الخيار يمثل هويتي الأدبية، فكيف لي أن أخوض في زواريب السياسة ومتاهاتها؟ إن الكتابة السياسية تتطلب من صاحبها إلماماً دقيقاً بملابسات الأحداث، وتشعبات التاريخ، لكي تأتي تحليلاته صادقة وموزونة؛ لذا آثرتُ بكل قناعة ألا أدخل في دهاليز لا خبرة لي فيها.
وفي نهاية المطاف، فإن أي خط فكري أو أدبي يختاره الكاتب، إن لم يكن مشحوناً بروح إنسانية نابضة، فإنه سيأتي مجتزأً، متطرفاً، أو قابعاً في زاوية ضيقة لا تتقبل الآخر؛ مما يساهم في تغذية الانقسامات بدلاً من رأبها
في عالمي الروائي، “الإنسان” هو الحجر الأساس، و”الروح” هي الكاشف الحقيقي عن معدن البشر, فالجمال الخارجي والملامح عابرة لا محالة، بينما الروح هي الميزة الفاصلة بين شخص وآخر، وهي الصك الوحيد الذي يمنح المرء جدارة حمل لقب “إنسان”. وفي الختام، أليس الإنسان هو المبتدأ والمنتهى في كل شيء؟
• تتناولين قضايا الحرب والهجرة والهوية والمرأة والبحث عن الذات دون إصدار أحكام مباشرة، لماذا تفضلين ترك النهاية الفكرية للقارئ؟
نعم كتبتُ عنها جميعاً بنبضٍ حقيقي؛ لأنها لم تكن يوماً مجرد عناوين عابرة في مخيلتي، بل تفاصيل وجودية عشنا فصولها القاسية، وما زلنا نكابد غمارها حتى اليوم.
إن حبري ليس سوى مرآة لواقعٍ نتنفسه، وتوثيقٍ لملامح رحلة إنسانية نتقاسم أعباءها مع كل نبضة قلمفي مسيرتي الأدبية لا أنصب نفسي قاضياً يصدر الأحكام؛ فلكل بيئة ومجتمع تقاليده وعاداته التي أحترمها وأقدر خصوصيتها.
ومن هنا، فإن طرحي لبعض القضايا التي قد يراها البعض “جرأة” لا ينبع من رغبة في الإثارة، بل هو مواجهة لواقع حقيقي نعيشه جميعاً؛ فلماذا نصرّ دائماً على التخفي خلف الأقنعة والتظاهر بما لا يمثلنا؟.لذلك، أتعمد دائماً ترك النهايات مفتوحة في رواياتي؛ لأنني لا أملك الحق في إبرام أحكام قطعية على أحد,أنا أكتب ما أؤمن به، وأصوّر ما أراه من خلال عدسة تجاربي الإنسانية، وللمتلقي كامل الحرية في قبول هذا الطرح أو رفضه.

• كيف تصفين العلاقة بين لونا الإنسان ولونا الكاتبة؟ وهل تنجح الكتابة في تحريرك من أوجاع الواقع؟
سيجد القارئ في كتاباتي “لونا” ذاتها؛ فكل من يعرفني عن قرب يسألني بفضول بعد قراءة رواياتي: “هل هذه قصتكِ الشخصية؟”. الجواب هو حتماً: لا، ليست قصتي بالمعنى الواقعي، لكنك ستجد “لونا” حتماً قاطنة في زوايا الكلمات، وفي نبض المشاعر، وفي الصدق المطلق الذي يغلف السطور. أنا لا أكتب سيرتي الذاتية، بل أسكب روحي في حيوات شخصياتي.
في فيلمي القصير القادم والموجه للمهرجانات الدولية، تطرقتُ إلى مفهوم “أنسنة الأشياء” (Anthropomorphism)، وأعتقد تماماً أن فعل الكتابة في جوهره هو “أنسنة للحبر”؛ فأن تكتب يعني أن تمنح المادة الصامتة روحاً وصوتاً، وتتحاور مع الورق وكأنك تتحدث إلى أعماق نفسك.
هذا الحوار السري هو الدواء الأسمى، والوسيلة الفضلى للتحرر من كل ما يعكر صفو الحياة وصخبها, من خلال الحبر، ننتقل إلى عالم آخر موازٍ، نلوذ به بعيداً عن التشوهات الخارجية والضوضاء التي لا تتلاءم مع كينونتنا، أو تفكيرنا، أو مبادئنا الإنسانية. إننا لا نكتب لننعزل عن الواقع، بل لنعيد صياغته بصدق وحرية.
• رواياتك تتحرك بين الواقعية والبعد النفسي والروحي، فهل تعتبرين الأدب وسيلة لفهم الإنسان أكثر من كونه وسيلة لسرد الحكايات؟
قبل أن أمتهن فعل الكتابة بشكل رسمي، كنتُ ضليعة في فن السرد الشفاهي؛ إذ كنتُ أسرد حكايات وقصصاً مستوحاة من قلب الحياة بالعامية العفوية.
كان أصدقائي يتحلقون حولي بشغف، وينتظرونني بشوق لأخبرهم بالمزيد، مستمتعين بتلك الروح الحية في نقل الواقع.
اليوم، وعندما عبرتُ إلى ضفة الكتابة الاحترافية، أخذتُ تلك القصص الواقعية ذاتها، وصهرتُها مع الخيال، لـ أعد كتابتها بأسلوب أدبي بليغ، يندرج تحت ما يُعرف نقداً بـ “السهل الممتنع”. لم تكن النقلة مجرد تغيير في قوالب اللغة، بل كانت عملية صياغة فنية؛ حيث أضفتُ إلى المتن الروائي مساحات من الوجدانيات، والحِكم والخواطر العميقة بما يتناغم مع السياق الدرامي.إنني لا أنقل الواقع حرفياً، بل أعيد صقله، وتشذيبه، ورفعه إلى مستوى أدبي وجمالي رفيع يليق ببناء الرواية المعاصرة ويحترم ذائقة القارئ، محتفظةً في الوقت ذاته بذلك الدفء الأصيل الذي كان يجذب أصدقائي في البدايات.
تؤمنين بأن الرواية تحمل رسالة، فما الرسالة التي تحرصين على أن تظل حاضرة في جميع أعمالك؟أي رواياتك تمثل لونا قصير بصورة أكبر، وأيها كان الأصعب في الكتابة؟
أؤمن إيماناً قاطعاً بأن الرواية إن لم تكن تحمل رسالة، أو جملة من الرسائل الإنسانية، فلا قيمة حقيقية لها. والرسالة الجوهرية التي أحرص على غرسها في كل كتاباتي هي حتمية انتصار الخير على الشر، كقيمة عليا تمنح الحياة توازنها,كل رواياتي تمثلني وتمس جوهري؛ لأنني أكتبها بروحي وبكل ما أوتيتُ من صدق وشعور، بعيداً عن حسابات المجاملات أو التكلف، لذلك لا أفضل رواية على أخرى، فلكل مولود أدبي ظروفه، وزمنه، ونبضه الخاص.
حين أتأمل البدايات، لن أقول إنني خضتُ التجربة الأصعب، بل كان هناك تحدٍ كينوني مستمر بيني وبين نفسي. كانت المسؤولية كبيرة جداً، لا سيما بعد أن اعتبر بعض النقاد أن رواياتي الأولى “بلاد القبلات” تكاد تكون “شبه سيرة ذاتية” لحياتي الشخصية.
في الحقيقة، لم يكن هذا التماهي مقصوداً على الإطلاق؛ لكن كان لا بد لي من نقطة انطلاق حية أؤسس عليها عالمي الروائي، فبدأتُ من الذات، من نفسي، ومن اختلاجاتها. سخرتُ عفوية البدايات، وجمعتُها بخيال واسع وجامح، فكتبتُ ما يحلو لي ونسجتُ حكايات مبتكرة، بينما احتفظتُ بأسرار كثيرة ومساحات شاسعة لي وحدي، خلف كواليس الكلمات.
• ما الذي يضيفه النقد الجاد للكاتب؟ وهل سبق أن غيرتِ قناعة فنية بعد قراءة دراسة نقدية عن أعمالك؟
النقد البناء ركيزة أساسية في مسيرة أي أديب؛ فهو يسلط الضوء على هفوات خفية قد يغفل عنها الكاتب، ويحولها بالانتباه والممارسة إلى نقاط قوة تصب في صالحه. ومع ذلك، كل شيء في الحياة، يخضع النقد لتباين الرؤى والذائقة الفردية؛ فقد واجهتُ في بداياتي آراءً متضاربة، حيث نصحني بعض النقاد بالابتعاد عن إدراج الوجدانيات والخواطر في المتن الروائي تجنباً لقطع حبل أفكار القارئ وتدفق الحدث، في حين أشاد آخرون بها واعتبروها إضافة جمالية رائعة تمنح النص عمقاً فريداً.
في البدء، عشتُ حيرة وتشتتاً بين هذين التوجهين، فأنا بطبعي أميل إلى الوجدانيات الهادفة والعميقة، لاسيما تلك التي تولد من رحم الحدث وتتلاءم مع مناخ الرواية. ومن رحم تلك الحيرة، ولدت قناعتي الخاصة: قررتُ ألا أتخلى عن أسلوبي، بل أن أدمج هذه الوجدانيات بطريقة ذكية وانسيابية لا تعيق التصاعد الدرامي، بل تخدمه وتثريه.
خلال مسيرتي، تسنى لي التعرف إلى نقاد كبار كُثر، غمروني بدعمهم وأبدوا إعجاباً حقيقياً بخصوصية قلمي. وقد تعلمتُ من هذه التجربة أن أفتح قلبي وعقلي لكل رأي؛ فكنتُ آخذ بعين الاعتبار كل ملاحظة أقتنع بجدواها الفنية، بينما أتجاوز بلطف وتصالح ما أراه لا يتوافق مع هويتي الأدبية وبوصلتي الخاصة في الكتابة.

• انتقلتِ من الرواية إلى كتابة السيناريو، كيف تختلف لغة الصورة عن لغة الرواية في نظرك؟
لم أشعر يوماً بالغرابة تجاه هذه النقلة بين عالمي الرواية والسيناريو؛ فكل رواياتي في جوهرها مبنية بروح “السيناريو” البصري.
كتاباتي لا تتبع القوالب السردية التقليدية الجافة، بل يجد القارئ نفسه دائماً أمام تدفق متواصل من الصور البصرية المشهدية، وكأنه يجلس في قاعة السينما ويشاهد فيلماً سينمائيّاً نابضاً بالحياة على الشاشة.
ينبع هذا الأسلوب من شغفي الخاص بـ “الحوار”؛ فأنا أرى في الحوار بين الشخصيات الأداة الأقوى والأكثر مباشرة لإيصال الفكرة العميقة والمشاعر الصادقة إلى وجدان القارئ بوضوح ودون مواربة.
ومن هذا المنطلق، لم تكن كتابة السيناريو يوماً عالماً غريباً عني، بل هي جزء لا يتجزأ من تكويني الأدبي والبصري الذي بثثته في كل رواياتي، مما جعل عملية تحويل نصوصي الروائية إلى نصوص سينمائية أمراً في غاية الانسيابية والمرونة.
ولعل التجربة الأبرز التي تؤكد هذه الوحدة العضوية هي فيلمي القصير “Inside The Red Suitcase” (أسرار الحقيبة الحمراء)؛ فهو في الأصل نص أدبي نُشر في كتابي الأول “القميص الزهري” (2014)، وعندما قررتُ نقله إلى الشاشة، قمتُ بتحويله إلى سيناريو وحوار بكل سلاسة ودون أدنى صعوبة. إن السينما بالنسبة لي ليست محطة جديدة، بل هي الروح ذاتها التي تحرك حبري منذ البداية، متمثلة في صورة وحوار ولحظة إنسانية مرئية.
• هل تجدين أن السينما قادرة على إيصال رسائلك الإنسانية بصورة أوسع من الرواية؟
فالسينما وسيط بصري مكثف، يدفعنا إلى اختيار الأحداث الجوهرية بعناية، والتركيز على نقل فيض المشاعر، ورصد الفعل وردة الفعل الإنسانية عبر الصورة والحركة, في المقابل، تمنح الرواية قارئها رفاهية الإبحار في تفاصيل أكثر عمقاً، ودقائق نفسية وتأملية أوسع. ومع هذا التباين في الأداة، تظل الرسالة الجوهرية والروح الإنسانية واحدة وثابتة في الحالتين.
هذا التمايز يخلق علاقة تفاعلية مشوقة تعتمد على ذائقة المتلقي، سواء كان قارئاً أو مشاهداً. وكثيراً ما نلاحظ أن من يقرأ الرواية أولاً ثم يشاهد الفيلم يميل إلى القول بأن “الرواية كانت أجمل”، لتعلقه بالصور الذهنية التي بناها خياله الخاص. وعلى الجانب الآخر، هناك من يقع في غرام الفيلم وينبهر بجمالياته على الشاشة، فيدفعه هذا الشغف إلى الذهاب نحو الرواية ليغوص في تفاصيلها الدقيقة وخبايا شخصياتها التي لم تتسع لها دقائق الفيلم المعدودة.إنها باختصار عملية تكاملية؛ الرواية تمنح الكلمة أبعاداً لا متناهية، والسينما تمنح تلك الأبعاد جسداً ونبضاً وصورة.
• ما الذي جذبك إلى كتابة الأفلام القصيرة تحديدًا؟
ما هي إلا مقاطع بصرية نابضة من كتاباتي، وهناك أيضاً نصوص وسيناريوهات خاصة لم تبصر النور بعد، ولم تُنشر ضمن رواياتي.
المسألة هنا ليست مجرد رغبة في جذب انتباه الجمهور، بل هي انعكاس لشغف متأصل في أعماقي؛ لاسيما وأن رواياتي تميل بطبيعتها إلى “السرد البصري المشهدي”، مما جعل عالم السينما قريباً من كينونتي وليس غريباً عني.
إن صناعة الفيلم القصير ليست بالأمر السهل على الإطلاق؛ فالصعوبة تكمن في ضرورة إيصال الفكرة العميقة أو الرسالة الإنسانية المكثفة في دقائق معدودة. هذا النوع من الفنون يشبه النحت، ويتطلب خبرة واسعة وذكاءً حاداً في اختزال الأحداث، حيث تصبح كل ثانية في “الكادر”، وكل إيماءة من الممثل، وكل زاوية للكاميرا، لغة قائمة بذاتها تخدم النص وتختصر مساحات شاسعة من الكلام
• رواية “الملاك الحارس لليلي” تدور أحداثها بين الكونغو وكندا، وتحمل أبعادًا تاريخية وإنسانية، كيف جاءت فكرتها، وما الذي يميزها عن أعمالك السابقة؟
تشكل الرواية مرآة قاسية وصادقة لواقع القرن الحادي والعشرين؛ إذ تسلط الضوء على العواقب المدمرة لاستغلال الثروات من قِبل أفراد يسكنهم جشع السلطة والنفوذ.
إن الطمع والحروب، بوصفهما المحركين الحصريين لهذه الممارسات، يدفعان نحو غزو أمم أخرى لنهب مقدراتها وخيراتها، وتحت الذريعة الواهية والمضللة لصناعة ‘مستقبل مجيد’، يتجاهل هؤلاء الفاعلون تماماً مصير الشعوب الأصلية ومعاناتها.
وفي مواجهة هذا العنف العارم، تذكرنا الرواية بحقيقة جوهرية وخالدة: وهي أن الحب يبقى هو المحرك الحقيقي والوحيد للحياة؛ فبدونه، يصبح كل هروب نحو السعادة أو السلام مجرد وهم وسراب.
الحب هو أسمى المشاعر الإنسانية وأنبلها، والقوة الوحيدة القادرة على تحدي العقبات التي تؤذينا، ومواجهة الظلال التي تحاول كسرنا.
إنه طاقة حية يجب أن نرعاها بنوع من العبادة والالتزام اليومي؛ فلا تنسوا أبداً أن تضخوا جرعة جديدة منه في كل لحظة من لحظات حياتكم. ففي نهاية المطاف، حيثما تخفق السياسة وتفشل.. وحده الحب يداوي ويشفي.
الفكرة هي مزيج بين الواقع والخيال، وإن أردت بالغوص كيف جاءت فكرتها فسيطول الكلام، لكن ما أستطيع أن أخبرك به، أنني سافرت إلأى أفريقيا للعمل والتقيت بشخص اسمه العم PEPE للحظات معدودة.
ومن هنا جاءت الفكرة، وفهمت رسالته ولو بعد سنوات مديدة. وكل ما قاله لي: أنني أفريقية وعشت في أفريقيا من قبل … أنها روايتي الأولى باللغة الفرنسية وسأترجمها إلى اللغة الإنكليزية وبصراحة تصلح لمسلسل ربما من 10 إلى 15 حلقة للخارج.
هذه الرواية تحتاج إلى منتجٍ ذكي، يتبنى أبعاده البصرية ويؤمن بفرص نجاحه، لأتولى تحويله إلى سيناريو سينمائي؛ على الرغم من أن الرواية في أصلها بُنيت بروحٍ مشهدية، وجاءت في صياغتها الأدبية أشبه بسيناريو جاهز لكي يرى النور على الشاشة.
• إلى أي مدى تسهم الترجمة في وصول الأدب العربي إلى العالم، خاصة وأن أعمالك قابلة للترجمة إلى الفرنسية والإنجليزية؟
إن جميع أعمالي الروائية والسينمائية أرضية خصبة وصالحة للترجمة إلى لغات أخرى، لكنني أضع شرطاً أساسياً لهذه الخطوة: يجب على المترجم أن يكون روائياً بالدرجة الأولى، وضليعاً بأسرار اللغة ومجازاتها، لكي يمتلك القدرة على نقل فيض المشاعر والأحاسيس الإنسانية بكامل شفافيتها وعمقها، دون أن تفقد الكلمات روحها الأصلية في وسيط لغوي جديد.
في الواقع، أمتلك القدرة والكفاءة لترجمة أعمالي بنفسي، إلا أن هذا الأمر يتطلب وقتاً طويلاً، وصبراً هائلاً، ودقة متناهية. وبصراحة، عندما أنتهي من خط اللمسات الأخيرة على أي عمل أدبي، لا أحبذ العودة إليه أو إعادة صياغته؛ فعقلي وشغفي يتجهان دائماً نحو الأمام، نحو ولادة فكرة مبتكرة، ورواية جديدة، ومشروع إبداعي مغاير. إنني أؤمن بأن رسالة الكاتب هي الاستمرار في العطاء، وترك مهمة العبور بالنصوص عبر الثقافات للمبدعين الآخرين الذين يشاركونه ذات النبض الإنساني.
