في زمن ليس بالبعيد كانت الصراعات و الحروب تقليدية واضحة لا تحتاج إلى كثير من التفسير ، جيوش تتحرك و جغرافيا تحتل و من ثم سيطرة على ثروات الأرض المحتلة من معادن و النفط و غيرهم .
كان الاستعمار مادي و بالتالي مرئي ، أما اليوم و في العصر الرقمي فقد أخذت المعركة شكل جديد و مختلف .
فالمستعمر لم يعد بحاجة إلى إرسال الجيوش لفرض النفوذ بعد أن نجح في التسلل عبر شاشات لا تفارق جيوبنا ، و أصبح المستهدف شيئاً أغلى و أهم بكثير و هو عقل الإنسان و وعيه.
هذا التحول المرعب هو ما أطلق عليه أسم ” استشراق الخوارزميات ” و هي فكرة بدأ يناقشها الكثير من المفكرين والمهتمين بصياغة الوعي العربي في ظل هذا المستقبل الرقمي ، ليكشفوا لنا كيف أعادت التكنولوجيا صياغة الهيمنة الغربية القديمة و لكن بصورة ناعمة و أكثر ذكاءاً .
من الدولة العميقة الكلاسيكية إلى الدولة العميقة الرقمية :
قديماً الدولة العميقة كانت تحالف تقليدي يجمع ما بين الجنرالات و المؤسسات المالية الكلاسيكية ، و لكن اليوم أصبحت دفة قيادة العالم في يد دولة عميقة رقمية ، هذه الدولة تقودها الشركات التقنية الكبرى العابرة للقارات .
قوة جديدة لا تعترف بالحدود و لا تحتاج إلى تأشيرات دخول لغزو المجتمعات ، بل تصدّر أفكارها و تباشر كافة أعمالها عبر مديرون تنفيذيون ، يظهرون في المشهد كقادة حقيقيون للزمن الجديد و يملكون وحدهم مفاتيح توجيه المزاج العام العالمي و يحددون ما يمكن أن يراه البشر و ما يجب أن يجهلونه .
القاعدة الذهبية : ” إذا لم تكن تدفع ثمن السلعة، فاعلم أنك أنت السلعة “.. أنت لست المستخدم ، أنت المادة الخام .
ففي العصر الرقمي، لم يعد الذهب معدناً يُستخرج من مناجم الأرض، بل أصبح انتباهك و تركيزك هو المادة الأغلى و التي تُستخرج من باطنك كإنسان .
المنصات التي نقضي عليها الساعات لم تُصمم لتمنحنا ما نحتاجه ، بل لتضمن بقاء عيوننا مثبتة أمام الشاشات لأطول فترة ممكنة .
و من هنا تم إلغاء أزرار ” التالي” لتستبدل بالتمرير اللانهائي ، بحيث يكفي أن تتوقف لثوانٍ معدودة عند مقطع فيديو معين لتقوم الخوارزمية بإغراقك بمحتويات مشابهة .
تلك الآلية ليست تلقائية أو عفوية ، بل هي هندسة نفسية دقيقة تستهدف مراكز المتعة في الدماغ ( الكيمياء فيها بالتحديد ) لتصنع حالة من الإدمان الرقمي .
هذا الإغراق المستمر نتج عنه ما يُعرف ” بالعقل المجزأ ” حيث أصبح الإنسان المعاصر عاجز عن التفكير العميق أو حتى استكمال قراءة كتاب أو مقال طويل .
و الأسوأ من ذلك هو أن هذه الخوارزميات تعمد صراحة إلى تضخيم مشاعر الغضب ، الكراهية ، و الصدمة ؛ لأن ببساطة تلك النوعية من المشاعر الساخنة هي الوقود الذي يجلب أعلى نسب تفاعل ، و بالتالي يدر المليارات من الدولارات على تلك الشركات .
الوصاية و سَجن الوعي الجمعي العالمي :
في العالم الافتراضي نحن نظن أننا أحرار نختار ما نشاء ، و لكن الحقيقة الصادمة هي : أننا لا نختار .. بل يُختار لنا .
فالخوارزمية تتدخل بلطف خبيث لتقترح عليك أصدقاءك ، و تقرّب إليك فقط من يشبهونك في الفكر أو الدين أو حتى التوجه السياسي ، لتجد نفسك في النهاية مسجون داخل فقاعة معلوماتية مغلقة .
و هذا العزل الرقمي يمنع أي اشتباك ثقافي حقيقي مع المخالفين لك ، و من خلال تلك النوعية من الوصاية الكاملة يتم صياغة وعيك و توجهاتك و لكن قالب معلب ، هذا القالب يصور لك بأن السواد الأعظم يحمل نفس أفكارك و توجهاتك ، و هو ما يزيد تلقائياً من رفضك للأخر ، أو بأقل تقدير عدم إستيعابك لخلفيات اختلافه معك .
المستشرق الجديد مبرمج و ليس كاتب للنص :
تاريخياً ارتبط مفهوم الاستشراق الثقافي بذلك الباحث أو الكاتب الغربي الذي يأتي إلى البلد العربي ليكتب نصوصاً و دراسات تشوه الإنسان العربي ، و تظهره ككائن بدائي و عنيف ، أو شهواني طائش و ذلك طبعاً لتبرير السيطرة عليه و إصلاحه .
و لكن اليوم لم يعد هذا المستشرق بحاجة لزيارتنا أو أن يتحمل جهد الكتابة عنا ، فقد تحول إلى مبرمج يجلس خلف الشاشة و من خلال الخوارزميات التي يصممها يقرر من هو المرئي و من هو مستحق التعاطف و من هو المستثنى منه .
بصيغة أكثر وضوحاً هو الذي يبرمج العقل العالمي بتكرار الصورة التي يريد تمريرها و التي تخدم مصالحه .
هذا الانحياز الهيكلي لمسناه بوضوح كعرب من خلال طريقة تعامل المنصات مع قضايانا التاريخية و القومية ، حيث واجهنا التقييد و الحظر للمحتوى المدافع عن تلك الحقوق و كل رواية تدعم الهوية العربية للبشر و للحجر في هذه المنطقة ، و في مقابل ذلك إتاحة الرواية الأخرى بل و دعم انتشارها عبر خوارزميات صُممت بعناية لتكون أدوات استعمار ناعم .
المقاومة و خريطة استرداد الوعي :
كعرب و أمام هذا التوحش التكنولوجي يجب أن نعترف بأن الأخر قد طور أدواته و تحول من ناقل للمشهد ” و لو من وجهة نظره ” لمبرمج .. فهل نغير نحن في طريقة تلقينا ؟
الشكوى المستمرة من انحياز المنصات أو حتى محاولاتنا للالتفاف الساذجة على الكلمات ( ككتابتها مقطعة أو استخدام الرموز ) لم تعد تجدي نفعاً … لماذا ؟
لأن ببساطة الخوارزميات باتت تقرأ المشاعر و ما لم يكتب ما بين السطور ، و عليه أصبح المخرج الحقيقي و الوحيد هو أن يستعيد الإنسان على إدراكه ، من خلال المقاومة و في خطوات عملية و بسيطة :
أولها : فك شيفرة المنصات :
و بذلك بالتوقف عن التلقي الساذج و نبدأ بطرح سؤال دائم : من صمم هذا المحتوى و لماذا يظهر لي أنا تحديداً ؟
ثانياً : استعادة سرد الرواية :
بحيث لا نكتفي بكوننا مجرد أصحاب ردود أفعال نتحرك عندما يستفزنا الآخر ، بل يجب أن نتمسك بإنتاج روايتنا العربية و الإنسانية العميقة و المعقدة بلغتنا و نفرض حضورنا الفكري و الثقافي .
ثالثاً : الانسحاب الرقمي الواعي :
من خلال ممارسة الصمت التقني و إيقاف الإشعارات غير الضرورية ، و السيطرة ( و لو بمدد زمنية محددة ) على التمرير اللانهائي كنوع من إعلان السيادة الذهنية الشخصية .
رابعاً : التعليم و صناعة الوعي :
فهناك فجوة حقيقية مخيفة ما بين عقول أجيالنا و المناهج التعليمية و الجامعية ، و بين عالم يدمج أدوات الذكاء الاصطناعي و يدرب على التفكير النقدي لبناء إقتصاد و وعي يواكب العصر الحديث .
أخيراً ..
لم تعد الجغرافيا وحدها هي ساحة الصراع ، فالصورة التي تتكرر أمام عينيك كل يوم على شاشة هاتفك ، إن لم تكن واعياً بمن صممها و بأي غاية ، ستحولك تدريجياً لتكون جزء منها .
مصفوفة رقمية تريدك مستهلك لثقافة و تاريخ من صناعتها ، بينما يزخر عمقنا الثقافي و التاريخي بكل ما نحتاجه لنكون صناعاً للوعي لا ضحايا له .
