ثقافة

إحياء إبداعات العقاد بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2026

 

 

كتب مصطفى العقاد

في وقت تتسارع فيه إيقاعات النشر وتغلبت العناوين الخفيفة على المشهد الثقافي تبرز بعض المبادرات التي تحاول استعادة المعنى الحقيقي للكتاب بوصفه فعلًا معرفيًا لا استهلاكيًا. من بين هذه المبادرات، تأتي دار نشر “إبهار” بطباعة عدد من أبرز أعمال عملاق الأدب العربي والمفكر “عباس محمود العقاد”، وعلى رأسها سلسلة “العبقريات” ورواية الأولى والأخيرة “سارة”. وبعض من أقوى مؤلفاته في مشروع يتخطى بفكرة إعادة النشر إلى إعادة الاعتبار.

“العقاد” ليس اسمًا عابرًا في تاريخ الثقافة العربية، بل أحد أعمدة الفكر العربي الحديث، وصاحب مشروع عقلي متماسك، دافع فيه عن حرية العقل واستقلال الفرد، وقيمة الإنسان بوصفه كائنًا مفكرًا قبل أي توصيف آخر. وإعادة تقديم هذا الإرث اليوم يطرح سؤالًا جوهرياً: ما الذي يمكن أن يقوله “العقاد” لجيل يعيش في زمن مختلف شكلًا ومعنى, قلبًا وقالبًا.

تأتي “العبقريات” في مقدمة الأعمال الخالدة والتي أعادت “إبهار” طرحها، وهي كتب لا تُقرأ باعتبارها سيرًا تاريخية تقليدية، وإنما بوصفها دراسات فكرية ونفسية تحاول النفاذ إلى سر العبقرية الإنسانية. في هذه الكتب، لا ينشغل “العقاد” بتقديس الشخصيات بقدر انشغاله بتحليل عناصر التفوق، وقوة الإرادة، والوعي بالذات، وهي قضايا لا تزال تحتفظ برهنيها في وجدان القارئ المعاصر، خاصة الشباب الباحثين عن نماذج فكرية تتجاوز الاستهلاك السريع للمعرفة.

أمّا إعادة نشر رواية “سارة”، فهي خطوة لافتة تكشف وجهًا أقل تداولًا للعقاد. فالرواية ليست مجرد عمل أدبي عاطفي، بل نص فكري يتأمل العلاقة بين العقل والوجدان، وبين الذات وصورتها في عين الآخر. إنها مساحة اعتراف تتيح للقارئ أن يقترب من “العقاد” الإنسان، لا المفكر فحسب, وأن يكتشف تعقيدات التجربة الإنسانية كما رآها عقل نقدي صارم.

واللافت في التجربة إنها لم تقتصر على اختيار الأعمال، بل امتد إلى فلسفة الإتاحة. فالكتب تصدر بأسعار رمزية، في متناول الطلاب والشباب، في محاولة لكسر الحاجز المادي الذي بات يفصل شريحة واسعة من القرّاء عن التراث الفكري الجاد. وهذه المقاربة تعيد طرح سؤال العدالة الثقافية, وتؤكد أن المعرفة حق عام وليست امتيازًا طبقيًا. ولا يمكن النظر إلى هذا المشروع بوصفه فعلًا دعائيًا, ربما هو الحنين إلى الماضي وخطوة واعية لإعادة فتح الحوار مع نصوص أسست لمرحلة كاملة من التفكير العربي. وبهذا المعنى تسهم دار “إبهار” في إحياء إبداع العقاد لإعادته إلى دائرة القراءة الفاعلة، حيث يُقرأ النص لقيمته ويُستدعى الماضي للاستفادة منه لا التفاخر. وهي مساهمة تحسب للمشهد الثقافي، في زمن أحوج ما يكون إلى مبادرات تعيد للفكر عمقه وللقراءة دورها، وللكتاب مكانته.

فقرة ختامية:

في النهاية، لا يمكن فصل قيمة هذا المشروع عن لحظته الثقافية الراهنة. فإعادة إبداع ما كتبه عملاق الأدب العربي, عباس محمود العقاد إلى الواجهة ليست ترفًا فكريًا, ووصفه بالضرورة المعرفية هو أشد دقة. وبين الضجيج العابر والسريع تبقى هذه المبادرة كإشارة هادئة، لكنها عميقة، إلى أن الكتاب الجيد لا يزال قادراً على أن يجد قارئه وأن يؤدي دوره في تشكيل وعي أكثر رسوخّا واتزانًا

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى