نزوح صامت في الضفة الغربية.. إسرائيل تعيد رسم الخريطة السكانية بالقوة

كتبت/ فاطمة محمد
تشهد الضفة الغربية والقدس الشرقية تصعيدًا واضحًا في ما يمكن وصفه بعملية “هندسة ديمغرافية” إسرائيلية ممنهجة، تستهدف تفكيك النسيجين المجتمعي والجغرافي الفلسطيني من خلال سياسات متداخلة تشمل الهدم، والاستيطان، وعنف المستوطنين.
هذه الممارسات لا تقتصر على تهجير السكان مؤقتًا، بل تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية بما يحول التجمعات الفلسطينية إلى جيوب معزولة ومحاصرة.
تعمل إسرائيل على توسيع نطاق نفوذها في مناطق “ج” التي تشكل أكثر من نصف مساحة الضفة الغربية، عبر تكثيف العمليات العسكرية وتوسيع المستوطنات، في خطوة تمهّد فعليًا لتطبيق قانون ضم الضفة
ويكتسب هذا التوسع بعدًا تشريعيًا خطيرًا، إذ تُترجم الطموحات السياسية إلى إجراءات ميدانية يومية تُغيّر الواقع الديمغرافي لصالح المستوطنين.
وكانت المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، *ميشيل باشيليه* ، قد حذّرت في وقت سابق من أن أي إعلان للضم “لن يغيّر الحقيقة القانونية، بل سيضفي شرعية شكلية على واقع الاحتلال القائم على التمييز والتهجير القسري”.
الهدم كأداة تهجير منظم
تُستخدم عمليات الهدم الإسرائيلية في مناطق “ج” كوسيلة لإجبار الفلسطينيين على الرحيل، تحت ذريعة “عدم الحصول على تراخيص بناء”
ووفق تقارير إعلامية، بينها تقرير لوكالة “أسوشيتد برس”، شهد العام الجاري أعلى معدلات لهدم المنازل في الضفة منذ سنوات، حيث دُمّرت قرى بأكملها في سياق يستهدف محو الوجود الفلسطيني الجماعي.
يتزامن التوسع الاستيطاني مع تصاعد عنف المستوطنين، في علاقة تكاملية بين الأدوات الرسمية (الهدم والمصادرة) وغير الرسمية (الاعتداءات الفردية)، لإجبار السكان على مغادرة أراضيهم.
ويصف معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى هذا النهج بأنه “كماشة تضغط على الفلسطينيين”، تمزج بين قرارات حكومية من أعلى وأعمال ميدانية من أسفل.
بحسب بيان صادر عن المدير الإقليمي لليونيسيف للشرق الأوسط، فإن تزايد أعداد الضحايا، وبينهم أطفال، يؤكد أن التوسع الاستيطاني ليس مجرد مشروع عمراني، بل عملية عسكرية وأمنية تستهدف “محوًا” ممنهجًا للوجود الفلسطيني لصالح واقع استيطاني دائم.
يشير تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن السلطات الإسرائيلية هدمت أو أصدرت أوامر بهدم نحو 3600 مبنى فلسطيني في الضفة والقدس خلال العام الجاري.
ويؤدي ذلك إلى موجات نزوح “داخلية” متكررة، حيث ينتقل الفلسطينيون من مناطق الأطراف إلى مناطق أكثر اكتظاظًا، ما يخلق حالة من التشرد المستمر بعيدة عن الأضواء الإعلامية.
كما أظهر تقرير لوكالة “أسوشيتد برس” أن نحو 40 ألف فلسطيني اضطروا لمغادرة منازلهم خلال الشهور الماضية، في نزوح بطيء ومتدرج يعكس تحول الضفة الغربية إلى ساحة تغيير ديمغرافي شامل يجري على مراحل، بعيدًا عن مشهد الحرب المفتوحة.




