مراجعة أدبية لرواية ” ابنة آدم” للكاتبة :نسرين مشاعلة

ابنة آدم: سردٌ يمشي على حافة المعنى
نقف الآن على الحافة الشاهقة من رواية ” ابنة آدم” التي تطرح حكاية عن صدعِ لا يصل إلى الفصل التام, شرخ خفيّ قد لا يُرى، لكنه يُحسّ، النص فيها قد قرّر من الصفحات الأولى ألا يمنح القارئ أرضًا صلبة يقف عليها، ربما أقرب الظن أنه قد تركه معلقًا بين سؤالين : من نكون حين لا يتعرف علينا العالم ولا يقر بتواجدنا؟, وما الذي يتبقى من الإنسان حين يصبح الانتماء فكرة، لا واقعًا؟.
تحاول الكاتبة أن تصف الإنسان في لحظته الأولى, لحظة ولادته بلا أسماء. وتذكرنا بالمقدمة, بماذا لو كان في أتم لحظات اكتماله, لا اهتمام بأن تُظهر الشخصيات وهي تفعل، بقدر ما تُمعن في مراقبتها وهي تأمل حين المغادرة من مكان إلى مكان، وتتأمل رحلة مستقبلية, بقرار حاسم وبلا تراجع. وبلحظة حالمة, تعيد النظر في أبسط المسلّمات, السرد نفسه يرفض أن يكون هامشًا، ويصرّ على السير بخطى مترددة أحيانًا، تشبه خطوات شخص يعرف أنه يمشي، لكنه لا يعرف إلى أين مرساه الأخير.
حين تصبح الرواية مرآة للإنسان يفقد اسمه
يأتي العنوان “ابنة آدم” بوصفه عتبة نصية مكثفة لا تؤدي وظيفة التعريف بقدر ما تفتح سؤال الهوية منذ اللحظة الأولى ليس -تفصيلًا- شكليًا، بل موقفًا فكريًا، وسؤالًا معلقًا، وعدًا بوحدة إنسانية شاملة، ربما يتفكك هذا الوعد بهدوء قاسيًا، فالانتساب إلى آدم، هو انتساب بوصفه أصلًا إنسانيًا جامعًا، لا يمنح الشخصية شعورًا بالأمان أو الانتماء. ربما الرسالة الموجهة تعني أن الإنسان من نسل وأصل واحد نظري، لكنه متروك وحده في خضم الممارسة عمليًا. يعد غياب الاسم للعلم، ليس -تفصيلًا- عرضيًا، ويؤكد أن الاسم الغائب ليس نقصًا، بل دلالة: الذات لا تمنح حق التسمية في عالم يختزل البشر بداية من اسمه و أدواره بوثائق عابرة. هكذا يتحول الأصل من وعد إنساني شامل إلى عبء رمزي يضاعف الإحساس بالاقتلاع…
سرد الرواية لا يقوم على تصاعد الحدث، قام على تكثيف الإحساس. والمشاهد لا ترتب وفق منطق سببي صارم، بيد أنها تجاورت كما تتجاور الأفكار في الذهن: ذكرى تجر أخرى، مكانا يستدعي شعورا، وصمتا يفتح فجوة أكبر من الكلام. هذا التشظي ليس خللا بنيويا، بقدر ما هو تحديد لانعكاس صادق لتجربة إنسانية تعيش في دوائر متداخلة من الترقب. لا في خط مستقيم
الشخصيات في “ابنة آدم” لا تقتضي التعاطف، ولا تسعى إلى البطولة. هي شخصيات عارية من الادعاء، تكبد فشلها بهدوء، وتعيش تناقضاتها دون محاولة لتبريرها. كل شخصية تبدو وكأنها تقف أمام نسخة أخرى منها, ترى نفسها بهيئة يتجدد، ربما تمنحك الشعور تارة أنها لا تملك القدرة على جمع ملامحها في صورة واحدة مكتملة. والعلاقات بينها ليست خلاصًا تارة أخرى، كأنها أرادت أن تحدد اختبارًا إضافيًا للهشاشة، حيث يؤول الحب إلى ظلّ، والنجاح إلى قناع، والذاكرة إلى عبء ثقيل.
اللغة في هذا السياق ليست وسيلة تنقل، بل هي أداة للكشف والإظهار, في صورة نثرية, ومرادفات هادفة, تراها تميل إلى النقاء كاختيار بمشاهد معينة, وقاسية بأخرى, بينما الجملة قد لا تُنهي الفكرة، وتتركها مفتوحة كأنها تخشى الإغلاق. وهنا، المعاني المختارة بدقة, انضمت إلى فعل يدعو للإنصات أكثر منها لفعل يترجى التصريح؛ الإنصات الذي أقصده هو لما لا يُقال، ولما يُفهم بالإحساس لا بالشرح.
تشتعل الرواية بانتقالات كبرى, لا أسميها مباشرة: الاغتراب، الهوية، الذاكرة، الحدود. وتفعل هذا من خوض التفاصيل اليومية، ليس من منصة خطابية عالية. بدأ بالمطار، الغرفة، الطريق، والجسد المتعب, كلها أطوار تتحول إلى عتبات وجودية، وأماكن مؤقتة قد تعكس حالة ترقب دائمة، كأن الحياة نفسها صالة عبور, لا يُعلن فيها عن موعد الوصول. وهذا ما يمنح “ابنة آدم” قوتها, بينما جرأتها في طرح الأسئلة، إذ رفضها للإجابة عزز النص لم يعد القارئ بخلاص، ولم يقترح عليه مصالحة سهلة مع العالم. إنه اكتفي بأن يكون صادقًا مع هشاشته، ومع ارتباكه، ومع شعوره بأن الإنسان الحديث يعرف أكثر, ولا يطمئن إلا قليلًا.
في المحصلة، لا تقدم الكاتبة الأردنية الصاعدة “نسرين ملاوي المشاعلة” رواية تُقرأ ثم تُغلق، بل نصًا يبقى عالقًا في الوعي، يعود بصور صغيرة، وجمل هادئة، وأسئلة لا تهدأ رغم أنها الرواية الأولى الذي راهنت عليه أن يترك صدى داخل كل من أراد أن يلتهم المعاني كوجبة أولية لقلمها. “ابنة آدم” ليست رواية عن الضياع, بل عن الوعي المؤلم بهذا الضياع، وعن الكتابة بوصفها المحاولة الأخيرة لتثبيت أثر إنساني في عالم سريع الزوال.




