حوارات صحفية

محمد خميس لـ«المصور»: عندما يتحول التاريخ من حجر صامت إلى حكاية حيّة

 

 

حوار: مريم مصطفى

 

لم يعد التعامل مع الآثار والتاريخ مجرد سردٍ أكاديمي جامد، بل أصبح فعلًا إبداعيًا قادرًا على صناعة الوعي، وجذب الأنظار، وتحريك السياحة.

 

وفي هذا الإطار يبرز اسم محمد خميس، الذي اختار أن يعيد تقديم التاريخ المصري بلغة الفن والحكي، مستندًا إلى دراسة علمية وشغف حقيقي، ليصنع تجربة مختلفة جعلت من الآثار رسالة حيّة لا مجرد ماضٍ منسي.

 

في هذا الحوار مع «المصور»، يفتح محمد خميس ملفات الفن والسياحة، والتحول المهني، ومبادرة «مصر جميلة»، ورؤيته لدور الشباب في حماية التاريخ.

 

إلى أي مدى يمكن للفن أن يكون عنصرًا مؤثرًا في تنشيط السياحة؟

 

الفن من أكثر الأدوات تأثيرًا في تحريك السياحة، وأحيانًا يفوق أثره الحملات الترويجية المباشرة.

 

شهدنا ذلك بوضوح مع عدد من الأعمال الدرامية التي صُوّرت في البحر الأحمر وشرم الشيخ منذ بداية الألفينات، ولا يزال صداها حاضرًا حتى الآن، حيث ارتبطت هذه الأماكن في وعي الجمهور بتجربة فنية وإنسانية جذابة.

 

الفن يصنع علاقة وجدانية بين الإنسان والمكان، وهو ما حدث أيضًا في الأقصر وأسوان، إلى جانب قيمتهما التاريخية والطبيعية.

 

لماذا كانت الأقصر نقطة الانطلاق الأولى لكتابك؟

 

الأقصر لم تكن مجرد اختيار جغرافي، بل كانت اختيارًا وجدانيًا.

 

أول مشاركة لي في معرض كتاب كانت هناك، وهذا الكتاب يمثل خلاصة سبع سنوات من البحث والعمل، فكان من المنطقي أن يبدأ من المدينة التي ساهمت بشكل كبير في تشكيل وعيي التاريخي والإنساني، خاصة مع تزامن صدوره مع انطلاق معرض الكتاب بالأقصر.

هل تعتقد أن النجاح اليوم أصبح مرهونًا بالسوشيال ميديا؟

 

وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة فعالة للانتشار، لكنها لا تصنع النجاح من فراغ.

 

النجاح الحقيقي ينبع من قيمة ما تقدمه، ومن صدقك مع نفسك ومع جمهورك، وعندما يتوافر المحتوى الحقيقي، تصبح السوشيال ميديا أداة داعمة وليست معيارًا وحيدًا للحكم

 

ما الرسالة التي تود توجيهها للشباب المصري بشأن الآثار؟

رسالتي بسيطة لكنها جوهرية: اعرف قيمة تاريخك معرفة حقيقية.

حين يدرك الشاب المصري عظمة ما أنجزه أجداده، ويفهم العمق العلمي والروحي الكامن في هذه الآثار، سيشعر بالفخر، وسيؤمن بقدرته على البناء والإبداع مهما كانت التحديات.

 

كنت طبيب أسنان ناجحًا، لماذا اتجهت لدراسة الإرشاد السياحي؟

رغم قناعتي بأن الطب مهنة إنسانية وأخلاقية عظيمة، فإنني لم أجد فيه شغفي الحقيقي.

كان داخلي ميل واضح للتاريخ والآثار، وعندما بدأت دراستهما، شعرت بأنني أستعيد ذاتي، وأن هذا المسار هو الأقرب لما أؤمن به وأرغب في تقديمه.

 

كيف شكّلت عبارة «يا ريت تشوف مصر من فوق» نقطة تحول في مسيرتك؟

هذه العبارة جعلتني أعيد النظر في طريقة تقديم التاريخ.

كنت أرى قيمًا حضارية عظيمة، خاصة في العصرين الفرعوني والإسلامي، لكنها غائبة عن وعي كثيرين، فقررت أن أكون حلقة وصل بين المكان والناس، ومن هنا وُلدت فكرة مبادرة «مصر جميلة».

 

دائمًا تؤكد أن الشغف وحده لا يكفي… لماذا؟

الشغف هو البداية، لكنه لا يكتمل دون دراسة

الدراسة الأكاديمية منحتني أدوات البحث، والتحقق من المعلومة، والانضباط المنهجي، كما فتحت أمامي عصورًا تاريخية لم أكن مهتمًا بها سابقًا، مثل العصر اليوناني الروماني، وأدركت أهميتها وتأثيرها.

 

كيف نجحت في تبسيط التاريخ الفرعوني للجمهور؟

من خلال توظيف مهارات الحكي، مثل السرد، والتشخيص، والتنوع في الأداء الصوتي، مع الالتزام بالأساس العلمي.

أنا لا أؤمن بأن التاريخ الفرعوني معقد، بل أراه ممتلكًا لمفاتيح واضحة، متى فُهمت تحوّل إلى قصة سهلة وقريبة من الناس

 

ما الذي أضافه لك موقع أوزيريس على المستوى الفكري؟

علّمني هذا الموقع أن الرموز عنصر أساسي في بناء الفكرة، وأن كل تفصيلة معمارية أو فنية تحمل معنى.

منذ تلك اللحظة، أصبحت أنظر إلى الآثار باعتبارها كيانًا حيًا يتحدث، وليس مجرد بقايا مادية من الماضي.

 

كيف بدأت مبادرة «مصر جميلة» وكيف تطورت؟

بدأت الفكرة برغبة في إظهار جمال مصر من خلال زيارات ميدانية للمواقع الأثرية، مع سرد التاريخ بطريقة مختلفة.

ومع الوقت، تطورت المبادرة لتشمل تنظيم رحلات وفعاليات متنوعة، من بينها أنشطة رياضية مثل الماراثونات في القاهرة والأقصر والإسكندرية، ثم اتجهنا إلى المحتوى المرئي والفيديوهات.

 

خاتمة

يعكس محمد خميس نموذجًا لجيل جديد يؤمن بأن التاريخ ليس مادة للحفظ، بل طاقة للفهم والإلهام.

رحلته تؤكد أن الجمع بين الفن والمعرفة قادر على إحياء الوعي، وأن إعادة تقديم التراث بلغة معاصرة قد تكون أحد مفاتيح المستقبل.

 

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى