حوارات صحفية
أخر الأخبار

كيرا يغنم لـ المصور نيوز : أنا جزء من القضية والقضية جزء مني.. و"أصحاب الأرض" يوثق ما تحاول المنصات حذفه

حوار أحمد سالم

حينما تختلط ملامح الممثل بهويته، وتصبح الكاميرا مجرد شاهد على وجع حقيقي لا يحتاج لتمثيل، نكون أمام تجربة استثنائية، هكذا أطلت علينا الفنانة الفلسطينية “كيرا يغنم” في مسلسل “أصحاب الأرض”، العمل الذي لم يكتفِ بتوثيق التاريخ، بل غاص في تفاصيل الصمود اليومي لأهل غزة.

​بين كواليس جمعتها بعمالقة كمنة شلبي وإياد نصار، وتوجيهات مخرج يقتنص الإنسانية قبل الكادر مثل بيتر ميمي، خاضت كيرا معركة فنية من نوع خاص، لم تكن تبحث عن “النجومية” بقدر ما كانت تبحث عن إيصال صوت الطبيب الذي يرفض ترك مريضه تحت القصف، وصوت الأرض التي ترفض نسيان أصحابها.

​في هذا الحوار، تفتح كيرا قلبها لنتحدث عن “غضبها المستمر” خلف الكاميرا، وعن شعور “عدم الاستحقاق” أمام عظمة التضحيات الحقيقية، وكيف تحول الفن في نظرها من مجرد مهنة إلى “نيشان” تضعه على صدرها دفاعاً عن الحق الفلسطيني.

كيف استقبلتِ ترشيح المخرج بيتر ميمي لكِ للمشاركة في عمل يوثق لحظات تاريخية فارقة عاشها ويعيشها شعبك؟

أستاذ بيتر ميمي لو اختارني للمشاركة في أي عمل معاه كان هيكون وسام شرف ليا، فما بالك إنه يرشّحني للمشاركة في عمل بيوثّق الإبادة الجماعية اللي مرّ وما زال بمروا فيها أهلنا الأبطال في غزّة، فهذا نيشان من الدرجة الأولى، أفتخر وأعتزّ بيه، وبشعر إني محظوظة جدًا إن الفرصة جتني أشتغل مع أحد أهم عمالقة الإخراج في وقتنا الحاضر عن موضوع هو الأهم بالنسبة لي، يعني موضوع مهم مع مخرج مهم، ده حلمي في التمثيل، ناهيك عن أستاذ بيتر ميمي قمّة في الإنسانيّة وسعة الصدر والسخاء في العطاء والاهتمام بممثلينه، فيا بخت أي حد يمثل معاه.

 

حدثينا عن كواليس العمل مع نجوم مثل منة شلبي وإياد نصار؛ كيف كانت الكيمياء الفنية بينكم، خاصة وأن المسلسل يمزج بين الواقعية التوثيقية والدراما الإنسانية؟

أول ما عرفت إني هشترك بالعمل مع الأستاذ إياد والأستاذة منّة اتحمست قوي مش هقولّك إني ما كنتش متوتّرة شوية قبل ما أتعرّف عليهم، لكن في اللحظة اللي قابلتهم فيها، كانوا في قمة اللطف والتواضع واللزازة، وأخدنا على بعض بسرعة، وبنفس الوقت، لما المخرج بيتر بيقول “أكشن” كانوا في قمة الحرفيّة والمهنيّة، وكرم الأستاذة منى في مشاركة النصيحة والرأي كان حاجة مشجِّعة واتعلّمت كثير منها ومنهم، أنا ما كانش ليا مشاهد كثيرة مع أستاذ إياد، للأسف، لكن برضو تعلمت منه وكان ليا الشرف اننا نتكلّم في الكواليس، وأنا والأستاذ إياد كنا متفقين بالرأي عن الطريقة اللي لازم نأدّي الشخصيات بيها، كنا متفقين إنه أهلنا بفلسطين، مثل ما سمعنا كثير منهم بيحكوا، مش عاوزين يكونوا أبطال، هم بس عاوزين يتشافوا كبني آدمين، عندهم مشاعر وأحلام وطموحات ومخاوف، بيحبّوا وبيفرحوا وبيحزنوا.

يُقال إن “أصحاب الأرض” هو الابن الشرعي لمسلسل “مليحة”، من وجهة نظرك كفنانة فلسطينية، كيف يكمل هذا العمل الرواية التي بدأها “مليحة” في تسليط الضوء على الحق الفلسطيني؟

“أصحاب الأرض” من اسمه بذكّرنا إنه القصة مبدأتش بـ 7 أكتوبر، ومش لازم تنتهي إلا لما الأرض ترجع لصحابها، القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني بالبقاء والعودة موضوع مينفعش يتنسى، وخاصة إنه للأسف مع مرور الزمن ابتدت الأجيال الجديدة تبتعد شوية عن القضيّة، ومن المحزن إنه الموضوع احتاج إبادة جماعية وتدمير غزّة بشكل شبه كلي لترجع القضية للساحة ويوصل الصوت الفلسطيني للعالم، إحنا محتاجين نغرق الساحة الفنية بالمحتوى الفسطيني “كي لا ننسى وكي لا ينسى أحد”.. خاصة في ظل ما تقوم به شركات منصات التواصل الاجتماعي من حذف حسابات وتنزيل فيديوهات توثّق ما جرى ويجري، فوجود مسلسلات مثل “مليحة” و”أصحاب الأرض” وأفلام (مثل الأفلام اللي طلعت الفترة الأخيرة – “فلسطين 36″ و”اللي بقى منك” و”صوت هند رجب” – تحاكي الواقع المرير أمر مهم جدا، وسيكون من الصعب حذفه.

 

“مليحة” ركز على رحلة العودة، بينما “أصحاب الأرض” يركز على الصمود والانتهاكات منذ أكتوبر 2023؛ ما هو التحدي الأكبر في تجسيد معاناة لا تزال جراحها نازفة ولم تصبح “ذكرى” بعد؟

أصعب شي إني أكون حاسة إني بمثل فيلم رعب أبعد من الخيال، لكن المرعب أكثر، إنه دي هي الحقيقة، ولسه أفظع كمان، واللي إحنا بنمثله لا يقارن بالواقع الفظيع، بالنسبالي التحدّي الأكبر إني كنت بحس إني “غير مستحقّة” إني أمثّل دور حد فلسطيني داخل غزّة أو أحكي قصتهم عنهم، لأنهم هم أكثر الناس قدرة على سرد قصصهم للعالم بأنفسهم، هذول الناس مع إنهم بس بدهم الكل يشوفهم كبني آدمين كل شخص فيهم كان عنده حياة كاملة، عندهم أحلام، عندهم طموحات وخطط مستقبليّة وقصص حبّ، لكن إحنا بنشوفهم كأساطير، منهم اللي عايشين وصامدين وغيرهم مأسور وغيرهم استشهدوا، صعب كثير إنه نمثّلهم، لكن برضه، هناك شعور أناني بإنه “أنا عم بساهم بأني أعطي اسم وحياة لشخص من فلسطين، هدول الناس مش بس إحصائيات، ناس طبيعيين ناس لسه بيفكروا بهموم يوميّة، ولو بجزء بسيط، بتوصيل صوت وصورة أهلنا الصامدين في غزّة لباقي العالم، لعلّ وعسى شخص بيحضرنا يتحرك فيه شعور يحفزه إنه يحاول يساعد بأي طريقة، وبرضو هناك تحدّي بالتغلّب على التخدير اللي صاب معظم العقول اللي اتشبّعت من المشاهد الدامية، واتعودت للأسف تشوف أشخاص فلسطينيين حتى أطفال بتموت حرق وجوع وبرد، وتفجير، من ناحية علم نفس وعلم الدماغ الأعصاب neuroscience كلما اتعرض الدماغ إلى نفس المشهد كلما اعتاد الدماغ عليه وتقبله، حتى لو كان مشهد دامي وهذا التجريد لأهلنا في غزة وكل فلسطينيين من الإنسانية هو التحدي الأكبر اللي هدفنا نتغلّب عليه.

المسلسل يتناول قصص النجاة والانتهاكات ومحاولات التهجير، كيف استطعتِ الفصل بين مشاعرك الشخصية كفلسطينية وبين أدائك التمثيلي أمام الكاميرا؟

ما فصلت بالعكس هلاء بأي ظرف آخر بحكيلك انه هذا تصرّف مش مهني professional وإني أكيد لازم أحط خط فاصل بين وين بتنتهي كيرا ووين تبدأ الشخصية اللي بلعبها، لكن في عمل عن فلسطين مثل مسلسل “أصحاب الأرض”، أنا بعتبر التمثيل اللي أنا كنت عم بأديه هذا هو أسلوبي في النضال، فأنا ما فصلت نفسي ولا كنت بهدف إني أفصل نفسي، لأنه أنا جزء من القضية، والقضية جزء مني، فأنا بدل ما أحاول أفصل على العكس استمدّيت الإلهام من ماضي أجدادي الله يرحمهم اللي اتهجّروا من القدس وعكا وطيبة ورام الله بالـ 48، ورحلوا من هاي الدنيا وهم بيحلموا إنهم يرجعوا واتشبّعت من كل اللي عم بشوفوا وبسمعه من بوستات وستوريات على الحسابات اللي بتابعها والأخبار والأفلام الوثائقيّة اللي بحضرها، والمقالات اللي بقرأها.

 

هل ترين أن الدراما قادرة على توثيق ما عجزت عنه عدسات الأخبار فيما يخص تفاصيل الحياة اليومية لأهل غزة وصمودهم الأسطوري تحت القصف؟

أكثر من 250 صحفي استشهدوا في غزة فقط منذ 7 أكتوبر وهمّن بوثقوا الإبادة، فما أظن المشكلة بقلّة توفّر المادّة الإخباريّة، وبرضو أهل غزّة ما قصّروا بالتوثيق، حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي كثيرة، من صحافيين إلى مؤثرين، إلى متطوّعين، إلى أشخاص عاديين، حتى أطفال كثير منهم عندهم مئات الآلاف وحتى الملايين من المتابعين، المشكلة بالناس اللي المنصات بإديهم وتقييد النشر ومحاولات مسح التاريخ، في كثير ناشطين فلسطينيين تم حذف حساباتهم اللي كان عليها ملايين المتابعين وحسابات ثانية بيتم تقييدها، في منظمات انحذفت فيديوهاتها عن يوتيوب، والأن بعد الاستحواذ الصهيوني على تيكتوك واللي كان مصدر هام لنشر الحقائق من أرض الواقع وتوثيقها، صار التقييد أكبر وأكبر، وهون بتيجي أهمية وجود سردية مرادفة وأعمال درامية تعكس الواقع واللي عم بصير في غزّة وبكل فلسطين، بأسلوب مخلص وصادق، مع إنه ما في شئ بيقدر يعكس الواقع الأليم، مهما كان إنتاج ضخم ومحترف، لأنه الواقع شئ يفوق الخيال وشيء يصعب على العقل البشري إن يستوعبه، أنا شخصيًا مش قادرة استوعب كميّة الوحشيّة واللاإنسانيّة والشر اللي موجود بالعالم واللي بتسمح بهيك اضطهاد للشعب الفلسطيني، قوة فاعلية المسلسلات إنه الناس بتحب تحضر مسلسلات، وممكن تتدبلج وتترجم وتنتشر بكل العالم، بدون حذف أو منع بث (وحتى لو تم منع البث، دايمًا في طريق للناس توصلها)

والرهيب إنه أستاذ بيتر ميمي اختار إنه يستخدم القاعدة الجماهيرية الكبيرة اللي عنده وشهرته ومحبة الناس اللي يسلّط الضوء على هاي القضيّة المهمّة.

لطالما كانت مصر هي السند، كيف تلمسين دور الدراما المصرية في إعادة بوصلة الوعي العربي والعالمي تجاه القضية الفلسطينية؟

الشعب المصري طول عمره جدع، وطول عمره بيدافع عن فلسطين وواقف جمبها وبيدافع عنها، والدراما المصريّة في المقدّمة من زمان، ومساهمتها بكفائتها العالية ومستواها العالمي، أكيد حيكون ليه دور مهم قوي بتحريك المشاعر وتفتيح العيون والعقول والقلوب، الناس اللي بيسمعوا عنها في الأخبار مش مجرّد إحصائيات، كل شخص بفلسطين ليه قصة كاملة، زيه زي أي شخص في أي مكان في العالم، مسلسلات مثل “أصحاب الأرض” بتعرّف الناس على نماذج من الشخصيات الموجود زيها كثير في الحقيقة، لما المشاهدين يشوفوا الشخصيات دي، ويتعاطفوا معها، كدة نكون صنعنا تغيير ولو بسيط، لكن تغير بسيط على تغير بسيط ممكن الوضع يتغيّر بعدين في ناس مبتابعش الأخبار وملهاش في السوشيال ميديا، بس بتحب تحضر مسلسلات وأفلام، وعشان كدة مهم قوي إنتاج مسلسلات مثل “أصحاب الأرض” تنقل للعالم صورة والواقع المرير اللي مينفعش يتنسي أو يتم تجاهله.

 

من خلال تواجدك في “أصحاب الأرض”، كيف تصفين الرسالة التي يقدمها المسلسل عن التلاحم المصري الفلسطيني المتمثل في شخصية الطبيبة سلمى شوقي والقوافل الطبية؟

التلاحم المصري الفلسطيني حاجة مش جديدة، مصر دعمت فلسطين في كل حاجة تقدر عليها، من أيام حرب 48 وحرب 67 وحرب 73، وحتى الإبادة الجماعية الحالية على غزّة، مصر وأهلها بتقف مع فلسطين بكل قوة بكل موقف.

في ظل محاولات طمس الهوية والتهجير القسري، ما هي الرسالة التي تود كيرا يغنم إيصالها للعالم من خلال هذا الدور تحديداً؟

من خلال دوري في “أصحاب الأرص” شعرت بمسؤوليّة كبيرة وبنفس الوقت شرف وفخر إنه يكون عندي الفرصة إني أقدّم تحيّة إجلال وإكرّام كل الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات وباقي الطواقم الطبيّة اللي قدّموا أكبر التضحيات في هذه الإبادة كثير منهم اختاروا البقاء ورفضوا مغادرة مرضاهم أو التخلي عنهم، ودفعوا حياتهم ثمن لذلك، أكثر من 1500 شخص من طواقم الطبية استشهدوا منذ إن بدأت الإبادة، وفي مصادر بتقول أكثر من 1700 عامل صحّي، من بينهم الشهيد الدكتور عدنان البرج الله يرحمه ويحسن إليه، اللي تم أسره وتعذيبه بأشنع الأساليب في المعتقلات الصهيونية، تقريبًا كل مستشفيات غزة والمراكز الصحيّة قصفت واتدمّرت، والمرضى فيها، والأطفال الخدّج فيها، أكثر من 300 عامل صحي تم أسرهم، على رأسهم دكتور حسام أبو صفيّة، ربنا ينجّيه ويرجعوا لأهله سالم، هو وكل الأسرى، وحتى اللي نجوا من الموت أو الأسر، دفعوا الثمن بأغلى الناس على قلبهم، مثل الدكتورة ألاء النجّار اللي فقدت 9 من أبناءها العشرة وزوجها، استهداف القطاع الطبّي في غزّة استراتيجيّة شيطانية بيستخدمها الاحتلال ليخلي الحياة مستحيلة للناس، دوري في مسلسل أصحاب الارض كان دور ولا بالأحلام بالنسبالي my dream role، مكنتش بعمري هأقدر أحلم أو أتخيّل دور أهم وأجمل وأشرف من الدور ده في القصة النبيلة دي، الدور هذا كان صعب كثير عاطفيّا وجسديّا، كان لازم أكون دايمًا في حالة تأهّب وحالة قوة خارقة، ومن ناحية ثانية كان سهل إني الاقي نماذج حيّة أبني شخصيتي عليها، مثل الدكتورة الجراحة سارة السقّا في مستشفى الشفاء، تجسيد دور أحد الأطباء خلّاني في حالة غضب مستمرّة، غضب لكل شي بيمروا فيه أهلنا في غزّة، وأكيد كنت في حالة استحياء وعدم استحقاق مستمرّة وبنفس الوقت شعور كأني من الأبطال الخارقين، منارة أمل ليستند عليها الآخرين، لأنه الأمل هو أقوى سلاح، محدّش بيقدر ياخده مننا، ونحنا لازم نقوّي بعض ونخلّي الأمل عايش، وأملي إننا نكون قدرنا نعمل كدا بمسلسل أصحاب الأرض.

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى