حين يتحوّل حاضرك إلى امتداد لذكرى مؤلمة رؤية نقدية أولية في رواية” ظل أبي” للكاتبة آية ياسر

بقلم: مصطفى العقاد
بعد سنوات من التكوين الصامت للفكرة، خرجت رواية “ظل أبي” إلى النور. هذا عنوان الرواية الجديدة للكاتبة الواعدة “آية ياسر”. وبوصفها عملًا ناضجًا من حيث الوعي بالتجارب الإنسانية، وامتدادًا طبيعيًا لمسارها السردي الذي بدأته في روايتها الأولى “أواخر سبتمبر” نستطيع أن نقول إنها تمسكت برابط الفكرة حتى مرحلة عمرية محددة, وربما جاء هذا التأجيل الطويل بسواعد إيجابية, إذ لم أره فراغًا زمنيًا مروره هباء. بدا فنيًا بمثابة شرط من شروط اكتمال الرؤية، وإشباع النص عمقًا شعوريًا؛متماسكًا في البنية النفسية للشخصية الرئيسية.
الرواية رغم أنها بسيطة ومن النوع القصير إلا أنها تفتح ملفًا اجتماعيًا شائكًا, ولا تكتفي بسرد حكاية امرأة تجسد منصب التعاسة بإرادتها, توريث القهر داخل الأسرة، والسلطة الأبوية القاسية إذا تمثلت وتحولت إلى نموذج يُعاد إنتاجه داخل مؤسسة الزواج تارة أخرى. أمر معقد. خاصة تكراره كالظل, وبزمن آخر. كان يجب أن يستبدل التعنيف بالرحمة. والهيمنة المقيدة بالمودة. لكن الظل اتبعها بصورة أشد قسوة,بثوب جديد يظهر من خارجه أنه أبهى, وبباطنه ما لا يعلمه سواها.
البناء الدرامي: دائرة القهر المغلقة
تتمحور الرواية حول شخصية “لطيفة”، الفتاة التي نشأت تحت وطأة أبٍ صارم، يمارس القسوة بوصفها حقًا تربويًا. هذه القسوة لا تتوقف عند حدود العلاقة المباشرة بين الأب والابنة، وإنما تتسرب إلى الأم وذويها، فتتحول بدورها إلى وسيط ناقل للعنف النفسي، تكظم ما يدور دون اعتراض. وحين تعقد على التحرر التقليدي المتوج، تصطدم بالمفارقة القاسية: الزوج نسخة أخرى من الأب. هنا تكتمل الدائرة، ويتحول الماضي إلى حاضر دائم، ويكمل الزواج مسيرة تمثيل الصدمة الأولى.
الأمومة بوصفها فعل مقاومة
واحدة من أنضج طبقات الرواية هي علاقة لطيفة بابنها مالك, فالأمومة هنا لا تُقدَّم بوصفها دورًا عاطفيًا, وإنما كقرار أخلاقي واعٍ بعدم تكرار النموذج المشوَّه. “لطيفة” لا تريد أن تكون نسخة من أمها أيضًا، كما رفضت أن تكون امتدادًا لضعف الصمت القديم. هذه الرغبة في القطع مع السلسلة الوراثية للقهر تمثل البعد الإنساني الأكثر إشراقًا في سياق العمل.
الكتابة داخل الكتابة: خلاص عبر السرد
التحول الأهم في مسار البطلة يأتي حين تلجأ إلى أوراقها. الكتابة تصبح فعل نجاة، ومساحة اعتراف صامتة، ثم تتحول لاحقًا إلى رواية ناجحة تناقَش علنًا. وحين تُسأل البطلة إن كانت – هي بذاتها – بطلة العمل، وبذكاء فني أجابت لتُحوّل السؤال الفردي إلى رأي مطروح بقضية عامة، مؤكدة أن هناك آلاف النساء يعشن التجربة ذاتها في صمت هذا الانتقال من الذاتي إلى الجمعي يُحسب للرواية، ويمنحها بعدًا اجتماعيًا يتجاوز الحكاية الخاصة.
اللغة والسرد: بساطة محسوبة
لغة الرواية تتسم بالوضوح والبساطة، دون تكلف لغوي أو استعراض للبلاغة. وهي ميزة تجعل النص مناسبًا لشريحة واسعة من القراء، خاصة محبي الروايات السريعة والمتوسطة الحجم. السرد يميل إلى المباشرة في بعض المواضع، ويحافظ على إيقاع متوازن يمنع الملل، ويخدم بطبيعته الموضوعية مدى الانهيار النفسي.
ملاحظات نقدية بناءة
أولًا: الحوار بالعامية اعتماد العامية في الحوار قد يمنح النص واقعية لحظية، لكنه – أدبيًا – يُضيّق من أفق التلقي لدى شريحة من القراء، خاصة في سياق الرواية العربية التي ارتبطت تقليديًا باللغة الفصحى المرنة القادرة على الجمع بين الجمال والوضوح. كثير من كبار الروائيين تناولوا الواقع الشعبي دون التخلي عن اللغة الأدبية، وهو ما يبقى خيار أكثر اتساعًا من حيث التأثير والانتشار.
ثانيًا: سيلاحظ القارئ أن الأماكن في الرواية جاءت شبه محايدة، بلا ملامح واضحة. البيت، الغرف، الأماكن عامة… كلها تمر مرورًا سريعًا. ربما كان هذا خيارًا فنيًا مقصودًا لعكس الفراغ الداخلي للشخصية، إلا أن اكتمال المشهد المكاني كان سيمنح القارئ إحساسًا أعمق بالواقعية البصرية. الوصف ليس ترفًا فنيًا بقدر ما هو أداة لتثبيت الذاكرة الشعورية للمشاهد. أمّا عن ملامح الشخصيات خاصة ” لطيفة”. هنا أقول: ربما أرادت الكاتبة منح أحقية الانطباع, ومد المساحة البصرية العميقة للقارئ ليرسم على حائطها الملامح التي تشبهه.
خاتمة: تجربة ناضجة في مسار صاعد
رواية “ظل أبي” تمثل خطوة متقدمة في مشروع الكاتبة “آية ياسر” الروائي. عمل يحمل جرأة الطرح، وصدق التجربة، ووعيًا اجتماعيًا واضحًا. ومع بعض الضبط الفني في اللغة وبناء المشهد، يمكن لهذا المسار أن ينتج أعمالًا أكثر اكتمالًا وتأثيرًا. هي رواية لا تُقرأ فقط للمتعة، بل تُقرأ للتأمل في سؤال مؤلم: كم من “ظل” ما زال يعيش داخل بيوت لا تُرى؟.
وهذا المستوى من التفصيل هو ما يصنع عملًا حقيقيًا لا عرضًا انطباعيًا. نصًا موسّعًا، معمّقًا. ومزود بانتقالات داخلية جميعها تطرح بترتيب وتنسيق حركة سير الحبكة بيسر دون تعقيد, وغموض متكرر حتى نهايتها, وخاتمة مدمجة مع رسالة من عمق الراوية, كما خرجت من روح الشخصية بالرواية, لا كاقتباس عابر وإنما كامتداد دلالي للنصوص الداخلية.
أستطيع الإشارة إلى نجاح تقنية ما أخرجته الكاتبة “آية ياسر” والإشادة على حرصها في تقديم هذه الفكرة بخطاب مباشر نسبيًا، يعتمد على التكرار النفسي للحالة، وعلى الإحساس المستمر بالاختناق، رسالة تحمل قوة من الإرادة إلى القناعة بأن المشكلة يمكنها أن تنتهي, وأن ليس هناك عائق من الاستغناء عن أي “ظل”.




