حوارات صحفية

دكتورة جيهان جادو بين القانون والثقافة.. حكاية امرأة صنعت أثرًا “حوار خاص لجريدة المصور”

 

حوار محمد أكسم

 

حين تلتقي بالدكتورة جيهان محمد جادو، لا تشعر أنك أمام سيدة تحمل هذا الكم من الألقاب والمسؤوليات الدولية بقدر ما تشعر أنك أمام إنسانة حقيقية، راقية في حضورها، هادئة في حديثها، وعميقة في أفكارها.

 إنسانة تجمع بين العلم والإنسانية، وبين القوة والرقة، وبين الشياكة الفكرية والذوق الإنساني الرفيع، فتترك أثرًا لا يُنسى قبل أن تترك سيرة ذاتية حافلة بالإنجازات.

الدكتورة جيهان جادو نموذج نادر لامرأة آمنت بأن المعرفة رسالة، وبأن الثقافة لا تنفصل عن الأخلاق، وأن الجمال الحقيقي يبدأ من القلب وينعكس على الأسلوب والتعامل.

 شياكتها ليست مظهرًا فقط، بل فكر متزن، وكلمة محسوبة، وحضور أنيق لا يعرف الاستعلاء. تمتلك أسلوبًا جميلًا في التعبير، وصوتًا هادئًا يصل دون ضجيج، وتواضعًا يسبق اسمها أينما ذكر.

ورغم مسيرتها الأكاديمية اللامعة، وأدوارها المؤثرة في المحافل الدولية، ظلت جيهان جادو قريبة من الناس، تحب الخير وتسعى إليه، وتؤمن بأن الإنسانية هي أعلى درجات القوة.

 قلبها حساس يرى الوجع قبل أن يقال، ويحتوي الاختلاف قبل أن يصطدم به، ويمنح الاحترام لكل إنسان دون انتظار مقابل.

 هي علم وجمال وثقافة، لكنها قبل كل ذلك إنسانة تعرف كيف تحب، وكيف تعطي، وكيف تترك أثرًا طيبًا في القلوب

في هذا الحوار، نقترب من الدكتورة جيهان جادو بعيدًا عن الألقاب والمناصب، لنكتشف الإنسانة التي تقف خلف المسيرة، والروح التي صنعت هذا التوازن النادر بين العقل والقلب، وبين الصرامة القانونية والدفء الإنساني، في رحلة ملهمة تستحق أن تُروى

 

دكتورة جيهان جادو أهلا بحضرتك فى موقع جريدة المصور

 

القارئ يتساءل: من هي جيهان جادو الإنسانة بعيدًا عن الألقاب والمهام الدولية؟ ماذا تحب؟ ما الأشياء التي تمنحها السعادة؟ ومتى تشعر بالسلام؟

جيهان جادو، بعيدًا عن الألقاب والمناصب، كما يصفني من تعاملوا معي عن قرب، إنسانة هادئة الحضور، بسيطة في مظهرها، قوية في جوهرها. لا أميل إلى الضجيج أو الاستعراض، قريبة من الناس، أستمع أكثر مما أتحدث، وأحترم اختلاف الآراء. أؤمن بقيم واضحة؛ في مقدمتها العدل، وأن الكرامة الإنسانية خط أحمر، وأن العمل الجاد هو الطريق الحقيقي للتأثير

أشعر بالسلام حين لا أحتاج إلى أن أُثبت شيئًا لأحد، ولا أبرر أي موقف أتخذه في حياتي

وتسعدني الأشياء الصادقة والبسيطة: كلمة حقيقية، موقف واضح من إنسان لا يرتدي أقنعة، وتقدير صادق قد يكون في نظرة احترام أو دعاء نابع من القلب

سعادتي الحقيقية لا تكمن في كثرة ما أملك، بل في عمق ما أشعر به حين أُعطي أكثر

كيف بدأت علاقتكِ الأولى بعالم القانون؟ ومتى شعرتِ أنه ليس مجرد دراسة بل رسالة ومسؤولية؟

بدأت علاقتي بالقانون في سن العاشرة، حين طُرح علينا في المدرسة سؤال: ماذا تريدين أن تصبحي في المستقبل؟ فجاءت إجابتي بعفوية: “أريد أن أكون محامية” 

لم أكن آنذاك أعي تمامًا معنى الكلمة، لكني كنت أسمع من والدتي أن المحامي هو من يدافع عن المظلوم، فأعجبتني الفكرة

ومع مرور الوقت، أدركت أن مهنة المحاماة ليست فقط دفاعًا عن المظلوم، بل مسؤولية كبرى تجاه النفس والمجتمع.

 ففكرة تطبيق القانون تحتاج إلى رجاحة عقل، واتزان، وتفكير عميق، يسبقهم جميعًا إحساس داخلي بالمسؤولية المجتمعية

ومع كل سنة دراسية، حتى مناقشة رسالة الدكتوراه، ازددت يقينًا بأن دراسة القانون هي فهم القواعد التي تنظم حياة الناس، وتحدد العلاقة بين الفرد والدولة، وتُعرّف الحق والواجب، وتُقيم العدل وتُحاسب المخطئ

 

ما الذي جذبكِ إلى القانون الإداري تحديدًا؟

ما جذبني إلى القانون الإداري أنه الأقرب إلى حياة الناس اليومية، فهو ينظم علاقة الفرد بالدولة، ويضع حدودًا للسلطة حتى لا تتحول القوة إلى تعسف

هو قانون لا يدافع فقط عن النص، بل عن الإنسان في مواجهة الإدارة، ويكشف كيف يمكن للقانون أن يكون أداة عدالة أو أداة ظلم، تبعًا لكيفية تطبيقه

المرأة وحقوقها حاضرة بقوة في مسيرتكِ البحثية والإنسانية، ما القضية الأقرب إلى قلبكِ؟

قضايا المرأة تشغل جزءًا كبيرًا من مسيرتي البحثية والإنسانية، لأسباب كثيرة، في مقدمتها كوني امرأة خاضت مسارًا مهنيًا لم يكن سهلًا على الإطلاق. واجهت مواقف واعتراضات مجتمعية شكلت طريقًا شاقًا لتحقيق النجاح، ما جعل إحساسي بالمسؤولية تجاه المرأة مضاعفًا

أؤمن أن المرأة هي المجتمع بأكمله، وأن دورها في تربية النشء هو الأساس. أما القضية الأقرب إلى قلبي، فهي مواجهة العنف الممنهج ضد المرأة، خاصة العنف المقنّع الناتج عن ثغرات قانونية أو ممارسات إدارية تعرقل حقها في الأمان والاختيار

ذلك العنف الذي لا يترك كدمات ظاهرة، لكنه يترك أثرًا عميقًا في الروح، ويُبرَّر أحيانًا باسم العادات أو القوانين، فتُترك المرأة كائنًا صامتًا متألمًا

 

حدثينا عن مبادراتكِ لدعم الأطفال، المرأة، ومرضى السرطان… كيف أثرت في رؤيتكِ للحياة؟

هذه المبادرات شكّلت بداخلي وعيًا إنسانيًا قبل أن يكون مهنيًا

مع الأطفال تعلّمت أن العدالة تبدأ بالحماية المبكرة، لا بالعقاب

ومع مرضى السرطان أدركت أن الكرامة لا تقل أهمية عن العلاج، وأن أي تقصير إداري قد يتحول إلى معاناة مضاعفة

أما المرأة، فكانت القضية الأعمق، لأن ألمها غالبًا يكون صامتًا ومبرَّرًا اجتماعيًا أو قانونيًا

هذه التجارب أكدت لي أن القانون لا يجب أن يكون نصًا جامدًا، بل أداة إنصاف، وأن البحث الحقيقي يبدأ حين نضع الإنسان في قلب الأولويات لا على هامشها.

هل شعرتِ يومًا أن العمل الإنساني يستهلك الروح بقدر ما يمنحها؟

لم أشعر يومًا أن العمل الإنساني عبء، بل هو راحة نفسية.

أؤمن أن العمل العام منحة من الله، وليس كل إنسان يُسخَّر له. وهو يتطلب مثابرة، وإيثارًا، ونكران ذات، بعيدًا عن الضجيج والاستعراض

ومن اعتاد مساعدة الآخرين، لا تعنيه المظاهر ولا الإعلان عن العطاء، لأنه يعلم أن هذا العمل من الله وإليه

 

ما اللحظة التي شعرتِ فيها أن وجودكِ كان فارقًا بحق في حياة شخص آخر؟

كانت لحظة مع طفل مريض بالسرطان، ليس لأنه كان في حالة حرجة، بل لأنه كان يخشى أن يُعامل كرقم أو حالة طبية

كنت أزوره ضمن مبادرة دعم نفسي، وتحدثنا عن المدرسة وأحلامه, وقبل أن أغادر قال لي

“أنتِ كلمتيني كأني طبيعي.. هتزوريني تاني؟”

توقفت كثيرًا عند هذه الجملة، وأدركت أن الفرق لم يكن فيما قدمته، بل في أنني رأيته إنسانًا قبل أن أراه مريضًا

ومنذ تلك اللحظة، أيقنت أن أبسط أشكال الحضور الإنساني قد يكون أعمق أشكال العلاج

 

ماذا يعني اسم مصر لكِ وأنتِ تعيشين خارجها؟

مصر بالنسبة لي هي الأصل، ومن لا أصل له لا حاضر ولا مستقبل له

لم أشعر يومًا أن مصر ماضٍ، بل هي هويتي وكياني وقوميتي التي أفتخر بها في كل مكان

حب مصر منحني القوة للنجاح في الغربة، وكان دافعًا لأثبت أن المصري المحب لوطنه قادر على العظمة

هل شعرتِ أن الغربة قربتكِ من مصر أكثر؟

نعم شعرت أن الغُربة قرّبتني من مصر أكثر,وأنا بعيدة، اكتشفت أن مصر لم تعد مجرد وطن بل وطن يعيش في داخل قلبي تفاصيلها الصغيرة أصبحت أوضح وملامحها صارت أعمق في قلبي.

 الغُربة جعلتني أشتاق بوعي، وأحب بصدق، وأفهم بلدي بعيدًا عن الضجيج اليومي. 

صرت أراها كما هي: بحلوها ومرّها، بقوتها وتعبها، وأشعر بمسؤولية أكبر تجاهها, ربما ابتعد الجسد، لكن الروح اقتربت أكثر، وكأن المسافة أعادت تعريف معنى الانتماء داخلي وأصبحت مهاجمه شرسة علي اي تطاول او تعدي علي بلدي لأنني أدركت أن قوتي الوحيدة تكمن في اعتزازي بقوميتي خاصة وإنني أعيش في بلد تقدس القومية الوطنية لان الفرنسيين بطبعهم يحبون بلدهم جدا وهذا ما تعلمه منهم الحفاظ علي الوطن من أقدس المقدرات.

 

متى تشعر جيهان جادو بالحنين؟

أشعر بالحنين حين أتذكر طفولتي مع والدي رحمه الله، ضابط القوات المسلحة، الذي علّمني الإصرار والسعي نحو الهدف

وأعود دائمًا بذاكرتي إلى بيت العائلة، حيث الدفء والسكينة، بعيدًا عن صخب الواقع الافتراضي، فأمسك القلم وأكتب لأستعيد ذاتي.

 

ما أصعب قرار اتخذته في مسيرتكِ؟

أصعب قرار كان السفر إلى فرنسا بعد حصولي على الدكتوراه في القانون، وعدم قدرتي على العمل في نفس التخصص

كان قرار تغيير المسار المهني مؤلمًا، لكنه فتح لي بابًا جديدًا في العمل الثقافي بوزارة الثقافة الفرنسية، بعد اجتياز اختبارات شاقة,لم يكن القرار سهلًا، لكن ما تعلمته كان أكبر من أي حزن.

 

كيف تتعاملين مع لحظات الخذلان؟

ألجأ أولًا إلى الله، ثم إلى عائلتي التي تمدني بالدعم

قوتي الحقيقية في الإيمان، وفي حب الناس، وفي الأثر الطيب الذي أراه في من تأثروا بكلمة أو موقف

 

كيف تحبين أن يتذكركِ الناس؟

أحب أن يتذكرني الناس كإنسانة تركت أثرًا طيبًا في النفوس، لأن هذا هو المكسب الحقيقي

 

كلمة أخيرة للمرأة العربية الساعية لإثبات ذاتها دوليًا

آمني بذاتك، لا تتنازلي عن هويتك، واعملي بجد وصمت

العالم يحترم المرأة الواعية، لا المقلدة، والقوة الحقيقية في الثبات على القيم مع الانفتاح على العالم.

 

فى النهاية نتقدم بخالص الشكر والتقدير للدكتورة العظيمة جيهان جادو على هذا الحوار الصادق والملهم، الذي كشف عن عمق فكري وقلب إنساني نابض بالحب والمسؤولية, حقيقى حوار لم يكن مجرد أسئلة وأجوبة، بل مساحة من الوعي والصدق والجمال الإنساني.

 نتمنى لها دوام التألق والنجاح في مسيرتها العلمية والحقوقية والثقافية، وأن تظل دائمًا جيهان جادو نموذجاً مشرفاً للمرأة المصرية القادرة على الجمع بين العقل والقلب، وبين الوطن والإنسان.

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى