بقلم: رنيم علاء نور الدين
لم تكن خطوط الرصيف مجرد مساحة إسمنتية تفصل أسرة بسيطة عن زحام الشارع، بل كانت بالنسبة لهم جدار الأمان الذي يقفون خلفه، ممسكين بأيدي صغارهم، والابتسامة ترتسم على الوجوه بعد نزهة عائلية دافئة. لكن في ثانية واحدة، تحول هذا الأمان إلى بركة من الدماء، وانقلبت الضحكات إلى صرخات تدمي القلوب، في حادث مأساوي هز منطقة حدائق حلوان بالقرب من كورنيش معادي المنتصر.
بدأت الفاجعة عندما خرج الجد “عاطف”، الرجل المشهود له بحسن الخلق والسيرة الطيبة بين جيرانه، برفقة زوجته وحفيديه الصغيرين؛ الملاك البريء “مكة” وشقيقها “محمود”. وقف الجميع في ثبات على الرصيف، ملتزمين بكل قواعد السلامة، ينظرون يميناً ويساراً في انتظار لحظة مناسبة لعبور الطريق.
وفجأة، انشق صمت المكان عن هدير محرك ميكروباص طائش؛ انحرف سائقه برعونة بالغة وعمى أصاب قلبه قبل عينيه، ليخرج عن مساره تماماً ويصعد فوق الرصيف، داهساً أجساد الأسرة البسيطة في مشهد مرعب تقشعر له الأبدان. وبدلاً من أن يتوقف السائق لإنقاذ الضحايا أو تدارك كارثته، ضغط على مكابح السرعة وفر هارباً من مسرح الجريمة، تاركاً خلفه أشلاءً وصدمة وجثثاً هامدة.
وأسفر الحادث الفظيع عن رحيل الجد “عاطف” وفلذة كبده وحفيدته الصغيرة “مكة”، التي لم تشفع لها طفولتها أمام عجلات الغدر، ففاضت روحهما إلى بارئهما متأثرين بالإصابات البالغة. وفي الوقت ذاته، نُقلت الجدة والطفل الصغير “محمود” إلى المستشفى في حالة حرجة بين الحياة والموت، تحت وطأة الأجهزة الطبية ودعوات الملايين لهما بالنجاة والشفاء.
الحادث لم يمر عابراً؛ بل فجر بركاناً من الغضب والحزن على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما نشر أفراد الأسرة المكلومة استغاثة عاجلة يطالبون فيها الأجهزة الأمنية بسرعة ضبط السائق “الهارب” وتقديمه للمحاكمة العاجلة، مؤكدين أن طيشه واستهتاره بالروح البشرية دمر أسرة كاملة وحوّل حياتهم إلى مأساة مستمرة في لمحة عين.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الجد وحفيدته بواسع رحمته ويسكنهما فسيح جناته، وأن يربط على قلب أسرتهما المكلومة، ويمنّ بالشفاء العاجل على الجدة والطفل محمود.
أمام هذه المآسي المتكررة التي يتسبب فيها بعض سائقي الميكروباص برعونتهم واستهتارهم، ما هي الإجراءات الرادعة التي ترون ضرورة تطبيقها في الشوارع لإنهاء ظاهرة “القيادة الطائشة” وحماية الأبرياء حتى وهم وافقون على الأرصفة؟
