في زمن تتسابق فيه الآراء عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد الحكم على أي فيلم أو مسلسل ينتظر صدور مقال نقدي في صحيفة أو مجلة متخصصة. يكفي أن تنتشر عشرات التعليقات، أو يتصدر العمل أو التريند حتى يتشكل انطباع عام قد يرفع عملا إلى السماء أو يسقط إلى القاع.
قبل أن يمنحه الجمهور فرصة المشاهدة الكاملة.
هذا الواقع يطرح سؤالا مهما فى ذهنى: هل ما زلنا بحاجة إلى الناقد الفني المؤثر؟
الإجابة، في رأيي، نعم… بل ربما أصبحت الحاجة إليه أكبر من أي وقت آخر .
فالناقد الحقيقي لا يفرض على الجمهور ما يحب أو يكره، لكنه يفتح أمامه أبوابا جديدة للفهم.
يقرأ النص جيدا ويتأمل البناء الدرامي، ويحلل أداء الممثلين، ورؤية المخرج، وإيقاع العمل، وعناصره الفنية، بعيدا عن الانفعال أو المجاملة.
المشكلة ليست في كثرة الآراء، فمن حق كل مشاهد أن يعبر عن رأيه، لكن الرأي يختلف عن النقد.
فليس كل إعجاب أو رفض يعد قراءة نقدية، كما أن عدد المتابعين لا يصنع ناقدا، وايضا كثرة المشاهدات لا تعني بالضرورة جودة العمل.
لقد كان النقد الفني، في مراحل كثيرة، جزءا من الحركة الثقافية. كان يسلط الضوء على الأعمال الجيدة، ويكشف مواطن الضعف، ويشجع صناع الفن على التطور، دون أن يتحول إلى خصومة شخصية أو حملة للتشهير.
أما اليوم، فكثير من النقاشات تدور حول مشهد مثير للجدل، أو لقطة منتشرة على مواقع التواصل، بينما تغيب القراءة المفصلة للعمل بأكمله. وهنا يخسر الفن، لأن الحكم يصبح سريعا، والانطباعات المؤقتة تحل محل التحليل العميق.
نحن لا نحتاج إلى عودة الناقد بوصفه صاحب الكلمة الأخيرة، بل بوصفه صاحب الرؤية والخبرة. فالجمهور هو صاحب الحق في التقييم، لكن النقد الجاد يظل البوصلة التي تساعد على فهم العمل، لا مجرد إصدار الأحكام عليه.
إن الفن الذي يعيش طويلا هو ذلك الذي يجد من يقرأه بوعي، لا من يصفق له بلا تفكير أو يهاجمه بلا إنصاف. ولذلك، فإن استعادة مكانة الناقد الفني ليست دفاعا عن مهنة، بل دفاع عن الثقافة، وعن حق الجمهور في أن يجد صوتا يشرح ويحلل ويختلف باحترام، في زمن أصبحت فيه سرعة الرأي تتقدم كثيرا على عمقه .
