بقلم : رنيم علاء نور الدين
لم تبدأ الحكاية ببلاغ عادي، وإنما بقصة بدت في ظاهرها أقرب إلى مشهد من فيلم؛ شخص يقدم نفسه للمواطنين باعتباره قاضيًا،
ويتحدث بثقة عن قدرته على إنهاء إجراءات تخصيص وحدات سكنية، بينما الحقيقة، وفقًا لما كشفت عنه التحقيقات، كانت مختلفة تمامًا.
كان الرجل لا يحمل صفة قضائية حقيقية، لكنه، بحسب الاتهامات، قرر أن يستخدم الصفة التي انتحلها للوصول إلى المواطنين وإقناعهم بقدرته على إنهاء إجراءاتهم، مقابل الحصول على مبالغ مالية.
ومع الوقت، لم يعد الأمر مجرد ادعاء عابر، بل تحول إلى واقعة جنائية انتهت بقرار النيابة العامة بحبس المتهمين وإحالتهم إلى المحاكمة الجنائية العاجلة.
البداية.. صفة قضائية بلا سند
وفقًا لما ورد في القضية، انتحل المتهم الرئيسي صفة قاضٍ بإحدى الجهات القضائية،
واستغل هذه الصفة في التعامل مع المواطنين وإيهامهم بقدرته على إنهاء إجراءات تخصيص وحدات سكنية.
وبحسب الاتهامات، كان المقابل هو الحصول على أموال من المواطنين، وهو ما جعل الواقعة تتجاوز حدود انتحال الصفة إلى اتهامات أخرى، من بينها النصب والاحتيال.
لكن المفاجأة لم تكن في المتهم الرئيسي وحده.
ثلاثة موظفين يدخلون دائرة الاتهام
مع استمرار التحقيقات، ظهرت أسماء ثلاثة موظفين بالمحكمة ضمن القضية.
وبحسب ما نُسب إليهم، لم يكن دورهم مجرد معرفة المتهم، وإنما المساعدة والتسهيل، وهو ما وضعهم أمام اتهامات تتعلق بالاشتراك في ارتكاب الجرائم محل التحقيق.
وهنا بدأ السؤال الأصعب يفرض نفسه:
كيف تمكن شخص من انتحال صفة قضائية، والوصول إلى المواطنين، وإقناعهم بقدرته على إنهاء إجراءات رسمية، بينما كان هناك موظفون داخل المحكمة متهمون بمساعدته؟
من انتحال الصفة إلى النصب
الصفة التي ادعاها المتهم، بحسب الاتهامات، لم تكن مجرد وسيلة للظهور أمام الناس، وإنما تحولت إلى أداة للإقناع.
فالمواطن الذي يعتقد أنه يتعامل مع قاضٍ قد يصدق أن الطرف الآخر يمتلك بالفعل نفوذًا أو قدرة على إنهاء إجراءات معينة.
ومن هنا، وفقًا لما ورد في القضية، جرى استغلال هذه الثقة للحصول على أموال بدعوى إنهاء إجراءات تخصيص وحدات سكنية.
ماذا يقول القانون؟
القضية تضمنت اتهامات متعددة، من بينها التداخل في وظيفة عمومية وانتحال الصفة والنصب والاحتيال.
وتستند الاتهامات المتعلقة بالتداخل في الوظيفة العمومية إلى مواد قانون العقوبات التي تجرّم قيام شخص بأعمال وظيفة عامة من دون أن تكون له الصفة الرسمية التي تخوله ذلك.
كما تتضمن القضية اتهامات مرتبطة بارتداء أو استخدام ما يوحي بصفة رسمية، فضلًا عن اتهام النصب والاحتيال،
وهي اتهامات تختلف تفاصيلها والعقوبات المقررة لها بحسب ما تثبته التحقيقات والمحاكمة.
الموظفون الثلاثة.. لماذا أصبحوا جزءًا من القضية؟
الجزء الأكثر إثارة في القضية يتعلق بالموظفين الثلاثة.
فوفقًا لما ورد في الاتهامات، نُسب إليهم الاشتراك بطريق المساعدة والتسهيل، بما يعني أن التحقيقات رأت أن أفعالهم المزعومة لم تكن منفصلة عن الوقائع الأساسية.
وتنص القواعد القانونية الخاصة بالاشتراك الجنائي على مسؤولية من يساعد أو يسهل ارتكاب الجريمة مع علمه بها، متى توافرت الشروط القانونية لذلك.
كما قد تترتب على الموظف العام نتائج وظيفية إلى جانب المسؤولية الجنائية، إذا ثبت ارتكابه جريمة تتعارض مع مقتضيات وظيفته.
القضية أمام المحاكمة
بعد انتهاء جانب من التحقيقات، صدر قرار بحبس المتهمين وإحالتهم إلى المحاكمة الجنائية العاجلة، لتبدأ مرحلة جديدة ستحدد فيها المحكمة مدى ثبوت الاتهامات ونسبة كل فعل إلى صاحبه.
وهنا تصبح كل التفاصيل محل فحص أمام القضاء، من الصفة التي ادعاها المتهم، إلى الأموال التي قيل إنه حصل عليها، وصولًا إلى الدور المنسوب للموظفين الثلاثة.
والسؤال الذي يبقى معلقًا..
القضية لا تتوقف عند شخص قرر أن ينتحل صفة قاضٍ.
فهي تفتح ملفًا أكبر حول كيف يمكن للصفة الرسمية أن تتحول إلى وسيلة لخداع المواطنين، وكيف يمكن أن تتسع دائرة الخداع عندما يدخل آخرون إلى المشهد بالمساعدة أو التسهيل؟
ويبقى السؤال الأهم:
كم شخصًا صدّق القصة ودفع أمواله، قبل أن يسقط «القاضي المزيف» وتنكشف التفاصيل أمام جهات التحقيق؟

