“أنا أقدر أعمل كل حاجة لوحدي”… جملة أصبحت تتردد كثيرًا في السنوات الأخيرة، ليس لأنها تعبر فقط عن استقلال المرأة، بل لأنها تعكس حالة من التحدي المستمر. ومع الوقت، اختلط مفهوم القوة بمفهوم الصراع، وأصبح كثيرون يعتقدون أن الندية تعني أن تقف المرأة في مواجهة الرجل، لا إلى جواره.
لا أحد يختلف على أن المرأة تستحق حقوقها كاملة، وأنها قادرة على النجاح والعمل وصنع القرار، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تحولت بعض مفاهيم التمكين إلى منافسة أرهقت الطرفين؟
في الماضي، كانت الأنوثة تُفهم أحيانًا بشكل خاطئ على أنها ضعف، فجاءت موجات تدعو إلى إثبات القوة، وهو أمر مشروع. لكن بعض الخطابات دفعت إلى تصور آخر، وهو أن التنازل هزيمة، والاحتواء انكسار، واللين نقص في الشخصية. وهنا بدأت المشكلة.
فالندية عندما تتحول إلى معركة يومية، لا تسرق أنوثة المرأة فقط، بل تسرق هدوءها أيضًا. تجعلها في حالة دفاع دائم، تتوقع الهجوم قبل أن يحدث، وترد قبل أن تستمع، وتتمسك بالانتصار حتى لو خسرت العلاقة.
الأنوثة ليست نقيضًا للقوة، بل هي الوجه الأكثر نضجًا لها. فالمرأة الواثقة لا تحتاج إلى رفع صوتها لتثبت نفسها، ولا إلى الدخول في منافسة مع الرجل لتشعر بقيمتها. قيمتها لا يمنحها أحد، ولا ينتزعها أحد.
ولعل أخطر ما أفرزته بعض المفاهيم الحديثة هو تحويل العلاقة بين الرجل والمرأة من علاقة تكامل إلى علاقة مقارنة: من ينفق أكثر؟ من ينجح أكثر؟ من يسيطر أكثر؟ وكأن الأسرة أصبحت ساحة لإعلان الفائز، بينما الحقيقة أن الأسرة لا تربح إلا إذا ربح الطرفان معًا.
وهنا لا يقع اللوم على المرأة وحدها، فالمجتمع بكل تغيراته، وضغوطه الاقتصادية، وخطابه الإعلامي، ووسائل التواصل الاجتماعي، كلها ساهمت في تشكيل هذا الواقع. كما أن بعض الرجال أساءوا فهم القوامة، وبعض النساء أسأن فهم الاستقلال، فضاع المعنى الحقيقي للشراكة.
المرأة ليست مطالبة بأن تتخلى عن طموحها حتى تكون أنثى، وليست مطالبة بأن تتنازل عن كرامتها حتى تحافظ على بيتها. لكنها أيضًا ليست بحاجة إلى أن تعيش عمرها كله في سباق لإثبات أنها لا تقل عن أحد.
فالأنوثة الحقيقية لا تُقاس بدرجة الصوت، ولا بعدد الانتصارات في الخلافات، وإنما تُقاس بالقدرة على الجمع بين القوة والرقي، وبين الحزم والرحمة، وبين احترام الذات واحترام من يشاركها الحياة.
ربما حان الوقت أن نعيد تعريف القوة… لا باعتبارها القدرة على الانتصار في كل معركة، بل باعتبارها القدرة على بناء علاقة لا يشعر فيها أحد أنه في معركة من الأساس
