كتبت : آية منير
يعيش قطاع غزة فصول كارثة إنسانية غير مسبوقة تزداد تعقيداً وتدهوراً مع استمرار العمليات العسكرية والقصف، حيث بات السكان يواجهون ظروفاً معيشية مأساوية في ظل الانهيار الشامل لمنظومات الخدمات والبنى التحتية الحيوية.
وأطلقت الهيئات الدولية والمنظمات الإغاثية التابعة للأمم المتحدة نداءات استغاثة عاجلة لوقف التدهور المتسارع، محذرة من أن شبح المجاعة الحقيقية وسوء التغذية الحاد أصبح يهدد حياة مئات الآلاف من الأطفال والمدنيين.
وقد أثارت هذه الظروف المأساوية موجة واسعة من الإدانات العربية والإقليمية ضد استمرار الحصار وإغلاق المعابر، حيث طالبت البيانات بضرورة تحرك المجتمع الدولي بشكل فوري لإلزام القوات الإسرائيلية بوقف استهداف المنشآت المدنية.
وشددت العواصم العربية على أن استخدام سلاح التجويع والحرمان من أساسيات الحياة يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، داعية إلى فتح ممرات إنسانية آمنة ودائمة لتدفق شاحنات الإغاثة والمواد الغذائية والمستلزمات الطبية دون أي شروط.
وتعاني المستشفيات والمراكز الصحية المتبقية في القطاع من شلل شبه كامل نتيجة النقص الحاد في الوقود والأدوية، مما يجعل الطواقم الطبية عاجزة عن تقديم الخدمات الإسعافية والرعاية الصحية للجرحى والمرضى والنساء الحوامل.
وتتراكم أطنان من المساعدات الإغاثية والطبية على الجانب الآخر من المعابر بانتظار الموافقات والتصاريح المعقدة، بينما تؤكد تقارير الإغاثة أن الكميات المسموح بمرورها لا تلبي سوى نسبة ضئيلة جداً من الحد الأدنى للاحتياجات اليومية.
كما يواجه السكان أزمة مياه شرب طاحنة بعد توقف محطات التحلية وخروج معظم الآبار والشبكات الرئيسية عن الخدمة، الأمر الذي أدى إلى انتشار واسع للأمراض المعدية والأوبئة الجلدية والمعوية بين النازحين في المخيمات المكتظة.
وتتفاقم معاناة العائلات التي اضطرت للنزوح القسري عدة مرات بحثاً عن أماكن آمنة لا وجود لها على أرض الواقع، لتعيش في خيام مهترئة تفتقر لأبسط متطلبات الكرامة الإنسانية ومقومات الحماية من تقلبات الطقس والظروف القاسية.
ووسط هذا المشهد القاتم، تتكثف الاتصالات والمشاورات الإقليمية في محاولة للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بشكل كامل، ويضمن الإفراج عن المحتجزين والأسرى ويوفر ضمانات حقيقية لإدخال المساعدات الكافية وإطلاق عمليات الإعمار.
وتتزايد الضغوط الجماهيرية والحقوقية في مختلف عواصم العالم للمطالبة بمساءلة المسؤولين عن تدهور الوضع الإنساني، ووقف تصدير الأسلحة التي تسهم في إطالة أمد الصراع وتدمير ما تبقى من المنظومة الحياتية داخل القطاع المحاصر.
ويؤكد الخبراء أن الآثار النفسية والاجتماعية لهذه الكارثة ستمتد لأجيال طويلة بعد انتهاء العمليات العسكرية الميدانية، مما يتطلب خطة استجابة دولية شاملة وطارئة لإعادة تأهيل الإنسان والمكان فور توقف أصوات المدافع والغارات.
لتبقى غزة شاهداً على مأساة إنسانية تضع الضمير العالمي أمام مسؤوليته التاريخية والأخلاقية الأكثر إلحاحاً وتعقيداً.
