كتبت : آية منير
تعود طبول التصعيد لتتصدّر المشهد الميداني في أوكرانيا عبر موجة جديدة من الضربات الصاروخية المكثفة التي تشنها القوات الروسية، كاشفة عن انتقال المواجهة إلى مرحلة بالغة الحساسية تتجاوز نطاق الاشتباكات المباشرة على خطوط التماس التقليدية.
لم تكن الضربات الأخيرة التي طالت مدينة كريفي ريه، المسقط الرأسي للرئيس الأوكراني، مجرد تحرك عسكري عابر، بل حملت في طياتها دلالات سياسية ونفسية تهدف إلى إرباك الجبهة الداخلية بالتوازي مع الضغط على مراكز القرار. تزامنت هذه الهجمات مع استهداف مركز لمنشآت حيوية وأهداف بحرية استراتيجية، في مسعى متجدد لتقويض القدرات اللوجستية وتضييق الخناق على الممرات المائية الحيوية التي تحاول كييف الحفاظ على فاعليتها.
في المقابل، يبرهن الرد الأوكراني على تحول نوعي في إدارة المعركة، حيث اعتمدت القوات الأوكرانية استراتيجية نقل النيران إلى العمق اللوجستي للخصم بدلاً من الاكتفاء بالدفاع الموضعي.
وباستخدام بيانات استطلاعية واستخباراتية متقدمة وفرتها شبكات المراقبة الحديثة، نجحت كييف في رصد أهداف حيوية تقع خلف خطوط الإمداد الروسية وتوجيه ضربات دقيقة نحوها.
تركز هذه الاستراتيجية على شل شرايين الإمداد، عبر استهداف مستودعات الذخيرة، ومحطات الوقود، وعقد المواصلات الحيوية، مما يؤدي إلى تجفيف الدعم العسكري المتدفق نحو الجبهات الأمامية وإرباك سلاسل الإمداد المعقدة.
يؤكد هذا التصعيد المتبادل أن الحرب تدخل فصلاً جديداً تحكمه أدوات الاستنزاف التكنولوجي والمعلوماتي؛ فالمعركة لم تعد تُقاس فقط بالمساحات الجغرافية المكتسبة على الأرض، بل بمدى القدرة على إعماء منظومات العدو وشل بنيته التحتية الحيوية.
ومع استمرار توظيف الصواريخ المجنحة والباليستية بالتوازي مع الطائرات المسيرة وشبكات الاستطلاع اللحظي، تزداد الضغوط على منظومات الدفاع الجوي لدى الطرفين، مما يفتح الباب أمام مرحلة شديدة التعقيد تتسارع فيها وتيرة الضربات المتبادلة دون وجود مؤشرات قريبة على تهدئة ميدانية تلوح في الأفق.
