تقدم قصة ” المرآة و القفل ” للكاتب القصصي و المؤلف المسرحي د. كمال يونس نصاً درامياً مكثفاً ، و رغم كلماته القليلة فإنه يغوص في أعماق النفس البشرية ، حيث يتناول النص فكرة رئيسية محورية ، ألا و هي العدالة الناجزة و إنقلاب السحر على الساحر .
فالنص رغم كونه يبدو كحكاية تقليدية ، إلا أن هذه الحكاية قدمت بتقنيات مسرحية و سينمائية ، استطاعت أن تبني جو نفسي متوتر و حافل بالرموز .
أولاً : بنية الاحداث و الحبكة
تعتمد الحبكة على المواجهة الذاتية ، حيث تبدأ من ممارسة روتين يومي عادي و هو تمشيط الشعر ، ثم سرعان ما تنقلب إلى أزمة نفسية و توتر نشأ عن صراع داخلي حتى وصل إلى الذروة ثم انتهى بالإغلاق .
فالبداية : حالة تتجلى فيها مشاعر الصدمة أمام المرآة ، من ذلك الجحود – من وجهة نظر البطل – و التي عبرت عنها جملة ( كيف لهذا الولد الخائن أن يقف ضدي ؟ ) .
أما الذروة : في تلك الحظة التي انخفضت فيها الإضاءة و انفصلت الصورة في المرآة لتصبح صوتاً للضمير يواجه البطل بحقيقته البشعة .
و أخيراً الخاتمة : المتمثلة في العنف المادي و هو كسر المرآة ، ثم الخروج ( أو الهروب ) من الغرفة، و إغلاق الباب بالقفل و البحث عن أدوات جديدة لمواصلة الظلم .
ثانياً : الرمزية :
استخدم الكاتب رموزاً مكثفة تحمل أبعاداً نفسية عميقة و فلسفية :
١ ) المرآة : و هي رمز المواجهة و الحقيقة المجردة ، فهي لم تعد مرآة تعكس الشكل الخارجي ، بل انعكس عليها الضمير و الحقيقة الاخلاقية التي حاول البطل الهروب منها أو تجاهلها .
٢ ) القفل : رمز إلى الإغلاق الفكري و الإصرار على الظلم ، دون أدنى نية في التوبة أو أي مراجعة للذات .
٣) انخفاض الضوء : عبر عن الظلمة الداخلية للبطل و كل ما يحيط به ، و في المقابل فإن بصيص الضوء الذي انعكس من المرآة كان من صورة الضمير و التي انفصلت لتحدث صاحبها .
٤) فرشاة الشعر : و التي بالاساس رمز للإهتمام بالصورة الخارجية ( تمشيط الشعر ) استخدمت كآداة عنف بقذفها نحو المرآة ، في محاولة لكسر أو قتل الحقيقة المتمثلة في صورة الضمير المتجسد على المرآة .
ثالثاً : الشخصيات :
البطل الظالم : و هو شخصية نرجسية يرى إكرامه للآخرين مجرد شراء للنفوذ و الولاءات لصالحه ، لا يعترف بالذنب بل يرى نفسه ضحية للجحود .
انعكاس المرآة ( الضمير ) : يمثل صوت العقل المتبقي، أو الحقيقة العارية التي تواجه البطل بحقيقته .
الصبي الخائن : شخصية تمثل النموذج التقليدي لأعوان الظلمة الذين يجمعهم مبدأ المصلحة أو المنفعة ، و حين تنتهي المصلحة يتحولون إلى خناجر في ظهر صانعيهم.
رابعاً : التقنيات و الأسلوب
١) التقنية المسرحية : حيث ظهرت بوضوح إستخدام الإضاءة و في صوت القهقهة صادرة من الصورة المنعكسة على المرآة وهي تقنيات تُكثّف البعد النفسي و تجعل القارئ يشعر و كأنه يشاهد مشهد مسرحي .
٢) الحوار الداخلي : استخدم الكاتب المونولوج الداخلي للبطل إلى بينه و بين صورته مما أعطى تجسيد مادي للإنفصام النفسي لدى الشخصية .
٣) استخدام النصوص ذات الطابع الأخلاقي و الديني : فالكاتب استحضر الحِكم و المأثورات الأخلاقية و الدينية التي تؤكد على الظلم و الظلمة مصيرهم إلى السقوط .
خامساً و أخيراً : الرؤية الفلسفية و رسالة القصة :
تنتهي القصة بالتأكيد على إعادة إنتاج الظلم ، فالبطل لم يتعلم الدرس و رغم أن النهاية الحزينة إلا أنها واقعية ..
فالظالم من نوعية بطل القصة لا يتوب لمجرد صفعة من أحد أعوانه ، بل هو ببساطة يبحث عن آداة جديدة للاستمرار في ظلمه ، و دون أدنى إحساس بتأنيب الضمير أو محاسبة للذات ، و متجاهلاً تماماً أنه سيواجه نفس المصير .
