انتشر على الإنترنت رواية جذابة تقول إن المصريين القدماء كانوا يعرفون الحشيش والأفيون، ويستخدمونهما للتخدير والنشوة والطقوس الدينية، بل إن بعض الروايات تصور مصر الفرعونية وكأنها كانت مجتمعًا غارقًا في المخدرات. لكن عندما نترك الروايات الشعبية جانبًا ونعود إلى البرديات والنقوش والآثار والدراسات العلمية، تظهر صورة مختلفة وأكثر تعقيدًا: المصريون القدماء امتلكوا معرفة واسعة بالنباتات الطبية، لكن الدليل على أنهم كانوا يتعاطون الحشيش أو الأفيون بالطريقة التي نفهم بها “تعاطي المخدرات” اليوم ليس بالوضوح الذي توحي به تلك الروايات.
المشكلة الأساسية هنا ليست فقط: هل عرف المصريون هذه النباتات أم لا؟ بل السؤال الأهم هو: كيف استخدموها؟
القنب في البرديات: بين النص والتفسير
أهم كلمة مصرية قديمة تدخل في قضية القنب هي šmšmt، التي يترجمها بعض الباحثين إلى “القنب” أو Cannabis. ظهرت هذه الكلمة في نصوص طبية مصرية، من بينها بردية الرامسيوم وبردية إيبرس، وتذكر بعض الوصفات مادة šmšmt ضمن تركيبات علاجية.
لكن علينا أن نتوقف هنا قليلًا. البردية لا تقول لنا باللغة الحديثة: “هذا هو نبات القنب الذي نعرفه اليوم، ويحتوي على مادة THC، واستخدمناه للحصول على النشوة”. ما لدينا هو اسم نبات في لغة قديمة، ثم يأتي الباحث الحديث ويحاول تحديد النبات الذي يشير إليه الاسم اعتمادًا على السياق اللغوي وطريقة استخدامه.

حشيش وأفيون الفراعنة!
وهذا فرق جوهري. فإذا قال باحث إن šmšmt هي القنب، فهذا تفسير علمي له حجج تؤيده، وليس بالضرورة حقيقة تجريبية حُسمت بتحليل كيميائي للنبات نفسه.
ماذا كان استخدام القنب؟
في إحدى الوصفات الطبية المنسوبة إلى بردية الرامسيوم III، التي تعود إلى نحو 1700 ق.م.، تظهر šmšmt في وصفة لعلاج العين، ضمن خليط من مكونات نباتية أخرى. وفي بردية إيبرس، التي تعود إلى نحو 1550 ق.م.، تظهر المادة في وصفات طبية أخرى، من بينها وصفات مرتبطة بأمراض نسائية ومشكلات جلدية وغيرها، وفق القراءة التي تعتبر šmšmt قنبًا.
لاحظوا شيئًا بسيطًا لكنه مهم جدًا: لا يوجد هنا حديث عن تدخين الحشيش.
لا توجد وصفة تقول للمريض: احرق النبات واستنشق دخانه لتشعر بالنشوة، ولا يوجد في هذه النصوص وصف واضح لاستخدام القنب للترفيه أو لتغيير الوعي.
وهذا يجعل عبارة “الفراعنة كانوا يتعاطون الحشيش” أكبر من الأدلة التي نستطيع تقديمها.
الأدق أن نقول: هناك مادة نباتية تسمى šmšmt في النصوص المصرية الطبية، وهناك تفسير معتبر بأنها القنب، ويبدو أنها استُخدمت في سياقات علاجية إذا صح هذا التحديد؛ أما استخدامها للحصول على النشوة فلا يثبته النص المصري صراحة.
الأفيون: قصة أكثر تعقيدًا
إذا كان القنب يعتمد بدرجة كبيرة على تفسير كلمة مصرية قديمة، فإن الأفيون يواجه مشكلة مختلفة. فوجود خشخاش الأفيون والأفيون في عالم البحر المتوسط القديم أمر معروف، لكن إثبات استخدامه في مصر الفرعونية تحديدًا يحتاج إلى دليل مصري مباشر.
كان خشخاش الأفيون معروفًا في شرق البحر المتوسط خلال العصر البرونزي، وهناك أدلة أثرية وفنية مهمة عليه في مناطق مثل كريت والعالم المينوي. وبما أن مصر كانت على اتصال تجاري وثقافي واسع بمناطق شرق المتوسط، فمن الطبيعي أن يطرح الباحثون احتمال وصوله إليها.
لكن التاريخ لا يبنى على الاحتمالات وحدها.
مقبرة خع: درس في كيفية عمل العلم
من أكثر الأمثلة دلالة مقبرة خع، المسؤول المصري الكبير في الأسرة الثامنة عشرة، الذي توفي تقريبًا حول 1405 ق.م.
ظهرت في القرن العشرين نتائج تحليلية فُسرت باعتبارها دليلًا على وجود مواد أفيونية في بعض محتويات المقبرة. ولو ثبت ذلك لكان اكتشافًا مهمًا للغاية.
لكن أعيد تحليل المواد لاحقًا باستخدام تقنيات أكثر تطورًا، ولم يتم العثور على المورفين الذي كان متوقعًا إذا كانت المادة أفيونًا. وبالتالي لم يعد من الممكن الاعتماد على النتيجة القديمة باعتبارها إثباتًا لوجود الأفيون في المقبرة.
هذه القصة مهمة لأنها تعلمنا شيئًا أساسيًا عن البحث التاريخي: الاكتشاف الأثري ليس نهاية القصة. أحيانًا تكشف التكنولوجيا الحديثة أن تفسيرًا قديمًا كان خاطئًا، أو أن المادة التي ظُن أنها أفيون كانت شيئًا آخر.
هل يعني ذلك أن المصريين لم يعرفوا الأفيون؟
لا.
عدم وجود دليل حاسم لا يعني إثبات عدم الاستخدام. قد يكون الأفيون قد وصل إلى مصر بالفعل، وقد يكون استخدم في بعض السياقات الطبية، لكن الدليل المتاح لا يسمح لنا بالحديث بثقة عن انتشار تعاطيه في مصر القديمة أو استخدامه كمادة ترفيهية.
وهناك فرق كبير بين ثلاث عبارات:
“كان الأفيون معروفًا في شرق المتوسط.”

و”كان المصريون يعرفون الأفيون.”
و”كان المصريون يتعاطون الأفيون للحصول على النشوة.”
كل جملة تحتاج إلى مستوى مختلف من الدليل.
المشكلة الأكبر: إسقاط مفهوم “المخدرات” الحديث
عندما نقرأ أن وصفة مصرية قديمة تحتوي على نبات له تأثير على الجهاز العصبي، نميل تلقائيًا إلى التفكير في كلمة “مخدر”. لكن الطب القديم لم يكن يعمل وفق التقسيم الحديث بين دواء، ومخدر، ومسكن، ومادة ترفيهية أو روحية.
كان النبات بالنسبة إلى الطبيب المصري مادة دوائية يمكن استخدامها بطريقة محددة لعلاج حالة محددة. وقد يدخل النبات في شراب أو مرهم أو مستحضر موضعي أو تبخير أو خليط مع نباتات أخرى.
لذلك فإن العثور على مادة ذات تأثير نفسي أو مسكن لا يعني تلقائيًا أنها كانت تستخدم كما تستخدم المخدرات في العصر الحديث.
وهنا يقع أحد أخطاء القراءة الحديثة للتاريخ: نحن نعرف تأثير المادة اليوم، ثم نعود إلى الماضي ونفترض أن الناس في الماضي كانوا يستخدمونها بالطريقة نفسها.
لكن هذا افتراض، وليس دليلًا.
وماذا عن “حشيش المومياوات”؟
هذه من أكثر القصص التي انتشرت بسبب الإثارة. ظهرت خلال العقود الماضية ادعاءات عن العثور على الحشيش أو مواد مخدرة أخرى في مومياوات مصرية.
لكن تحليل المومياوات القديمة معقد للغاية؛ فالمومياء لم تبقَ في بيئتها الأصلية طوال آلاف السنين. لقد تعرضت للهواء والرطوبة ومواد التحنيط والحشرات والتربة، ثم للبشر الذين اكتشفوها والمتاحف وعمليات الحفظ والترميم.
لذلك فإن العثور على مادة كيميائية في مومياء لا يعني تلقائيًا أن المصريين وضعوها فيها قبل آلاف السنين.
ولهذا شككت دراسات لاحقة في بعض النتائج القديمة، وأكدت ضرورة استبعاد التلوث وسوء تفسير المواد قبل اعتبارها دليلًا تاريخيًا.
الخلاصة: بين ما نعرفه وما نتخيله
لا تسمح الأدلة الحالية بالقول إن المصريين القدماء كانوا مجتمعًا يتعاطى الحشيش والأفيون كما يتعاطاهما الإنسان الحديث.
الأدلة تقول شيئًا أكثر تواضعًا، لكنه أكثر أهمية علميًا: كانت النباتات الطبية جزءًا أساسيًا من المعرفة المصرية القديمة.
وتظهر في البرديات مادة اسمها šmšmt، ويرى عدد من الباحثين أنها القنب، وقد وردت في وصفات طبية. لكن النصوص لا تقدم دليلًا صريحًا على تدخين القنب للحصول على النشوة.
أما الأفيون، فكان معروفًا في العالم المحيط بمصر خلال العصر البرونزي، لكن إثبات استخدامه داخل مصر الفرعونية تحديدًا ما زال أقل حسمًا مما تروج له بعض الروايات، كما أن بعض الأدلة الكيميائية القديمة التي استُخدمت لإثبات وجوده لم تصمد أمام إعادة التحليل.
والدرس الأهم ليس فقط في الحشيش أو الأفيون، بل في طريقة قراءة التاريخ نفسه.
كلما كانت الرواية أكثر إثارة، علينا أن نسأل: أين النص الأصلي؟ وما الذي يقوله فعلًا؟
فالبردية قد تقول “مادة نباتية تستخدم في علاج العين”، ثم يأتي بعد آلاف السنين من يحولها إلى “حشيش للتخدير والنشوة”. وبين الجملتين مسافة كبيرة اسمها التفسير.
وفي البحث التاريخي، كلمة “ربما” ليست ضعفًا. أحيانًا تكون أكثر علمية من ألف عنوان مثير عن “أسرار الفراعنة”.
