ازدواجية المعايير الدولية… لماذا يُدان الضحية ويُبرَّأ الجلاد؟

بقلم: رباب خالد
لم تعد ازدواجية المعايير الدولية مجرد اتهام يُطلق في لحظات الغضب، بل تحوّلت إلى حقيقة راسخة تكشفها الوقائع يومًا بعد يوم. ففي عالم يُفترض أنه تحكمه القوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان، يُدان الضحية حين يصرخ، ويُبرَّأ الجلاد ما دام يمتلك القوة أو الغطاء السياسي.
المفارقة الصارخة أن المبادئ ذاتها التي تُستدعى سريعًا لمعاقبة طرف ضعيف، تُعلّق أو تُعاد صياغتها حين يكون الطرف الآخر حليفًا استراتيجيًا أو قوة مؤثرة في ميزان المصالح. فبينما فُرضت عقوبات قاسية وفورية على دول بسبب انتهاكات موثقة، تُترك انتهاكات أخرى — لا تقل فداحة — دون مساءلة حقيقية، كما يحدث مع ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، رغم توثيقها من منظمات دولية وحقوقية مستقلة.
في كثير من الصراعات، لا يُسأل المعتدي عن أصل الجريمة، بل يُسأل المعتدى عليه عن طريقة دفاعه. تُختزل المأساة في “رد فعل غير مناسب”، بينما يُغضّ الطرف عن سنوات من القمع والاحتلال والحصار. في الحالة الفلسطينية، لا يُطرح سؤال عن شرعية الاحتلال ذاته، بل يُوجَّه اللوم دائمًا إلى الضحية لأنها قاومت، وكأن المطلوب منها أن تموت بصمت كي تُعتبر “مدنية”.
الخطاب الدولي لا يبرّئ الجلاد دائمًا بصوتٍ عالٍ، لكنه يفعل ذلك بوسائل أكثر خبثًا: كالتجاهل، التسويف، والدعوة إلى “ضبط النفس” من طرف واحد. نرى ذلك بوضوح في بيانات مجلس الأمن التي تُعطَّل بالفيتو حين يتعلق الأمر بإدانة إسرائيل، بينما تُمرَّر قرارات عاجلة ضد أطراف أخرى في أزمات مختلفة، ما يكشف أن ميزان العدالة محكوم بالقوة لا بالقانون.
الإعلام العالمي يلعب دورًا محوريًا في ترسيخ هذه الازدواجية. فاختيار المصطلحات وترتيب الأخبار يصنع رواية منحازة؛ إذ يُقدَّم القصف على غزة باعتباره “دفاعًا عن النفس”، بينما تُوصَف مقاومة شعب واقع تحت الاحتلال بالإرهاب. في المقابل، تُمنَح تغطية إنسانية واسعة لضحايا حروب أخرى، بأسمائهم وصورهم وقصصهم، بينما يُختزل آلاف القتلى الفلسطينيين في أرقام عابرة أو يُشكَّك في روايتهم.
لكن الأخطر من الإدانة الظالمة، هو تطبيعها. حين تتكرر ازدواجية المعايير دون محاسبة، يفقد القانون الدولي هيبته. فجرائم موثقة في فلسطين، وفي العراق سابقًا، وفي أفغانستان، لم يُحاسَب مرتكبوها محاسبة حقيقية، لأنهم ببساطة ينتمون إلى معسكر القوة أو يحظون بحمايته.
السؤال الحقيقي ليس: لماذا تُدان الضحية؟
بل: من يملك حق تعريف الجريمة؟
ومن يكتب الرواية؟
ومن يقرر أن هذا الدم يستحق الغضب، وذاك يمكن تجاوزه؟
إن عالمًا يُدين الضحية حين تقاوم، ويتفهم الجلاد حين يقتل، هو عالم شريك في الجريمة، مهما تزيّن بخطابات حقوق الإنسان. والعدالة التي تُطبَّق بانتقائية، ليست عدالة، بل امتياز سياسي.
ستظل الضحية متهمة في ميزان مختل، ما لم يُعاد الاعتبار لمبدأ واحد بسيط:
أن الحق لا يتغير بتغير الفاعل، وأن الجريمة تظل جريمة، مهما كان مرتكبها، ومهما كانت الذريعة.




