قراءة تحليلية في مجموعة “الذين خرجوا عن النص” للكاتبة: غادة عثمان

بقلم : مصطفى العقاد
مقدمة: تأتي مجموعة “الذين خرجوا عن النص” للكاتبة “غادة عثمان” بوصفها تجربة سردية مختلفة، تنتمي إلى عالم القصص القصيرة ذات البعد الفلسفي، حيث لا تكتفي الحكاية بطرح حدث أو رسم شخصية، بل تسعى إلى زعزعة المسلّمات، وإعادة النظر في النصّ بوصفه قدرًاً اجتماعيًا وفكريًا مفروضًا على الإنسان.
العنوان: بيان لتمرّد هادئ, يشكّل عتبة دلالية ذكية. فـ “النص” هنا لا يُقصد به النص الأدبي، بل يمتد ليشمل: النص الاجتماعي, النص الأخلاقي النص الثقافي, والنص الوجودي ذاته. أمّا عن “الذين خرجوا”، فهم أولئك الذين امتلكوا شجاعة السؤال، وربما شجاعة الرفض. لتشعر القارئ أنه معنيّ بالأمر وأنه مدعو لتخيّل نفسه واحدًا من هؤلاء الخارجين، لا بوصفهم متمرّدين؛ صاخبين، بل كذوات قلقة واعية تبحث عن معنى مختلف للحياة عامة.
اللغة والأسلوب: لغة المجموعة هادئة، شفافة، لا تستعرض بقدر أنها تُصيب. تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح كما ذكرت، تستهدف الصورة الداخلية أكثر من الوصف الخارجي. وهي لغة تترك مساحة للقارئ كي يشارك في بناء المعنى، لا أن يتلقّاه جاهزاً.
القصص القصيرة كمساحة فلسفية
اعتمدت الكاتبة “غادة عثمان” في هذه المجموعة على القصة القصيرة جداً والقصيرة المكثفة، لكنها لم تقتصد من جماليات اللغة, فكل جملة تؤدي وظيفة دلالية، بلغة مكثفة تعتمد على الرمزية والإيحاء أكثر من السرد المباشر, وذلك دون التأثير بالحدث. وكل صمت بين السطور يحمل معنى. والفلسفة هنا لا تُطرح بشكل مباشر أيضًا أو تنظيري، هي تتسلل عبر المواقف اليومية، واللحظات العابرة، والعديد من الأسئلة التي ربما لا يوجد لها إجابات نهائية. ومنذ أن قرأت روايتها الأولى ” أغدًا ألقاك” وجدت أنها تراعي إعادة وصف المشاهد كغاية، ولديها القدرة على تصويره بدقة كأنك بين أرجائه. وهنا بمجموعتها قد تعددت المشاهد, واتخذت أبعاد زواياها كذريعة للغوص في عمق مضمون الشخصية، وتظهر اختراق الأفكار التي تدور في عقله, في خوفه، وتنبش في ذاكرته، بطريقة مرئية حتى تكشف لنا حكاية أخرى, وبصور أخرى أدق رمزية, تجرده من مدى إحساسه بالعجز أمام أمور قد تتجاوز إرادته .كأنها تجبره بسرعة اتخاذ القرار بالفرار.
الشخصيات: ذوات هامشية في مركز الرؤية
أجادت الكاتبة التقاط الشخصيات من الهامش، من الزوايا البعيدة التي لا يلتفت إليها السرد التقليدي. شخصياتها أحيانًا ليست بطولية، ولا مكتملة اليقين، بل إنسانية، وبعضها مترددة، وآخر تعيش صراعاً داخلياً مع النص المفروض عليها: سواء كان نص تشكل من قيود العائلة، أو المجتمع تخنقه التقاليد، أو حتى نص الذات. وهنا تتجلى قوة المجموعة؛ إذ يشعر القارئ بسهولة أنه يشبه إحدى هذه الشخصيات، أو مرّ بلحظة كان فيها قريباً جدًا من “الخروج عن النصّ”.
التجربة السردية ونضج الأدوات
أظهرت الكاتبة “غادة عثمان” في هذه المجموعة عن مدى قدرتها الفلسفية والإبداعية المقتصدة بعيدًا عن خبرتها وتمرّسها في كتابة الرواية, إذ إن مفهوم القصة القصيرة تمرّس, ولا يأتي فجأة أن نخرج أي نصوص ونطلق عليها “قصة”. ويمكن رصد هذا عبر تجارب كتابية كانت بدائية. وقد اطلعت عليها قبل أن أقرأ روايتها الأولى. وبدا لي أن هناك هدفًا تسعى إليه, ربما كان التعمق بعالم الأدب, وكتابة العديد من ألوانه. وما إن تمكنت, كانت المفاجئة, حدث مشوق. ومن الواضح أنها قد اجتازت مرحلة كادت أن تعرقل طريق إبداعها.
في «الذين خرجوا عن النص»، لمست تطورًا واضحًا, حتى في الأدوات وسيطرة بارزة على الإيقاع, تتسم الكتابة بالوعي الكامل, وإظهار الزوايا السردية بابتكار أجواء خاصة تحمل بصمتها, اعتمادًا لرؤية ذات أبعاد نمطية غنية بالعمق والدلالة.
وصرّحت الكاتبة قبل انطلاق معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026. بأن هذه المجموعة “محبّبة إلى قلبها”, ليس لأنه العمل الأخير ولكن كونه لونًا جديدًا من كتاباتها تتحدى فيه ذاتها. وهو تصريح لا يمكن عزله عن طبيعة النصوص ذاتها؛ إذ تبدو القصص وكأنها كُتبت من منطقة شخصية شديدة العمق، تصرخ, وتصرح, بينما محورها هو الإيمان بالاختلاف, إذ من حق الفرد في أن يكون خارج القالب الموروث، أو كما أطلقت عليهم “الذين خروج عن النص”…
خاتمة
تمثل مجموعة “الذين خرجوا عن النص” إضافة نوعية إلى القصة عالم القصيرة، ليس بسبب موضوعها، ولكن بسبب رؤيتها, إذ تحتفي بالاختلاف، وبالإنسان الذي يجرؤ على أن يكون خارج السطر دون إرباك، وخارج التوقّعات حتى لو بالتأمل, وعلى ملامسة الأسئلة الكبرى بمفهومه.




