مقالات

افتتاح المتحف المصري الكبير… ميلادٌ جديد لحضارة لا تنطفئ

بقلم: رباب خالد

في لحظة استثنائية ينتظرها العالم منذ سنوات، أعلنت مصر افتتاح المتحف المصري الكبير رسميًا؛ الحدث الثقافي الأضخم في القرن الحادي والعشرين، والبوابة التي تفتح الحضارة المصرية على العالم من جديد.

لم يكن الافتتاح مجرد فعالية، بل مراسم عبور حضارة من صمت المخازن إلى نور العرض المتحفي الحديث.

ففي قلب الجيزة، وعلى بُعد خطواتٍ من الأهرامات، ارتفع هذا الصرح، شامخًا كما لو كان امتدادًا طبيعيًا للحضارة التي لا تزال تُدهش العالم منذ آلاف السنين.

بدأت الفكرة في نهاية التسعينيات، ثم وُضع حجر الأساس عام 2002، ليخرج المشروع بعد سنوات طويلة من التخطيط، والدراسة، والبناء، وتجميع القطع وترميمها، إلى النور أخيرًا في صورة متحف يُعد الأكبر في العالم المخصص لحضارة واحدة.

يضم المتحف أكثر من 100 ألف قطعة أثرية من كنوز مصر عبر العصور، بينها مقتنيات الملك توت عنخ آمون كاملة لأول مرة مجتمعة في مكان واحد، بعد رحلة طويلة داخل المخازن والمعارض حول العالم.

وليس التاريخ المعروض داخل القاعات فقط هو ما يبهر العالم، بل كذلك التقنيات المستخدمة: شاشات تفاعلية، مسارات عرض حديثة، إضاءة تحترم قِدم القطعة، ومساحات تسمح للزائر بأن يعيش التجربة لا أن يشاهدها فقط.

شهد الافتتاح حضورًا عالميًا من ملوك ورؤساء دول، ووفود دبلوماسية وثقافية من مختلف القارات، في مشهد لم يحدث منذ افتتاح قناة السويس في القرن التاسع عشر.

اختارت مصر هذا اليوم لتقول للعالم:

“إن الحضارة المصرية ليست ذكرى… بل قوة حاضرة.”

 

تم إعلان الافتتاح يوم إجازة رسمية في مصر، لتشارك البلاد بأكملها في المشهد، وليكون الافتتاح احتفال شعب قبل أن يكون احتفال دولة.

المتحف المصري الكبير يقدم للعالم إجابة واحدة:

كيف استطاعت حضارة عمرها 7000 سنة أن تتجدد؟

فهو ليس مخزنًا للقطع الأثرية، بل منصة للتعليم، والبحث العلمي، والسياحة الثقافية المستدامة.

وهو نقطة التقاء بين ماضي الإنسانية ومستقبلها.

داخل أروقته لا تُعرض القطع فحسب، بل تُروى الحكايات.

حكايات ملوكٍ حكموا، ومهندسين شيّدوا، وفنانين نحتوا، وشعبٍ كتب أول سطر في كتاب التاريخ الإنساني.

 

مصر تقول للعالم… نحن هنا

افتتاح المتحف المصري الكبير هو إعلانٌ جديد لمكانة مصر.

رسالة تقول فيها:

 “نحن أصحاب أول حضارة كتبت التاريخ، ولسنا زائرين عابرين على سجلات الإنسانية.”

من اليوم، أصبح المتحف المصري الكبير علامة عالمية، ووجهة لا بد أن يمر بها كل من يريد أن يرى الحضارة كما يجب أن تُرى، ويشعر بعظمة التاريخ كما يجب أن تُحسّ.

 

ورغم الزخم العالمي للافتتاح، ظهرت بعض الأصوات التي تُحاول التقليل من قيمة الحدث بحجة أن الاحتفال بالآثار “شرك”، وأن تماثيل الفراعنة “أصنام لا يجوز الاحتفاء بها”. هذه الأصوات تغفل عن حقيقةٍ واضحة يعرفها العالم أجمع:

نحن لا نعبد الآثار… نحن نحتفي بالتاريخ.

التماثيل داخل المتحف ليست معبودات، بل شواهد تاريخية وفنية تحكي عبقرية الإنسان الأول، وتوثّق أول تجربة بشرية في التنظيم، والكتابة، والهندسة، والطب، والفلك.

الحضارة تُحترم لأنها إرث إنساني، لا لأنها تُقدَّس.

إن العالم كلّه — بمؤسساته العلمية والثقافية — يحتفي بحضارة مصر القديمة بوصفها أول حضارة كتبت العلم على جدران المعابد قبل أن يُكتب في الكتب.

والاحتفال بالمتحف هو احتفال بالهوية، وبالإنسان الذي فكّر، ونحت، وبنى، وترك أثرًا يوصلنا إليه عبر آلاف السنين.

والحضارات لا تُلغى بحُجج، ولا تُمحى بصوتٍ مرتفع، لأنها ببساطة:

المتحف المصري الكبير ليس صرحًا لعبادة الأصنام، بل صرحًا لعرض إنجاز الإنسان.

فمن لا يعرف قيمة تاريخه، لا يعرف قيمة نفسه.

 

إن المتحف ليس مجرد افتتاح…

إنه بداية عصر جديد.

 

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى