تقارير
أخر الأخبار

نسرين معتوق تكتب :  حوار الحضارات: بين صِدام الهيمنة وضرورة الاعتراف بالخصوصية

 

في عالم يتسم بالترابط التقني و الانفصال الأيديولوجي، تبرز العلاقة بين الغرب و الشرق العربي كأبرز نماذج القضايا تعقيداً في هذه الحقبة من الزمن .

 

نحن هنا لسنا أمام مشكلة نتجت عن سوء فهم عارض ، بقدر ما نحن في الحقيقة نصطدم بما قد يوصف بأنه حزمة أفكار ترتكز على خلفيات ثقافية و أيدلوجية راسخة .

فمن جهة يُصر الغرب على تعميم “نسخته” كمعيار أوحد للحضارة ، مقابل شعوب عربية تصبو لفك أغلال صورة نمطية صُدرت لها ، ساعية لإثبات ذاتها و لكن من خلال ما تمليه عليها هويتها المستقلة . 

الغرب و هوس النموذج الأوحد :

لسنوات طوال، تبنى الفكر الغربي – بوعي أو بدون وعي – فرضية مفادها أن التجربة الغربية في الحداثة، الديمقراطية، و الليبرالية هي أجل ما انتهى إليه التاريخ . 

هذا المنظور يرى في الآخر ( و في العربي تحديداً ) مشروع لم يكتمل إنجازه حضارياً ، و يجب أن يمر بنفس المسارات الغربية ليصل إلى التحضر.

هذه النظرة الفوقية شديدة المركزية الغربية لا تتجاهل فقط الخصوصيات الثقافية ، بل تُلغي حقيقة أن التطور الإنساني لم يخط أبداً خطواته على خط مستقيم واحد . فالحضارات لم تكن يوماً نسخاً مكررة ، بل هي استجابات و تفاعلات مختلفة في بيئات و ظروف و مع تحديات و تاريخ مختلف . 

و مجرد محاولة إجبار الشعوب على تبني نموذج غريب عن وجدانها الثقافي لن يؤدي إلا إلى مزيد من صراعات الهوية و الاغتراب الاجتماعي .

 الشعوب العربية و امتلاك زمام الرواية : 

على الجانب الآخر، تكشف السنوات القليلة الأخيرة عن إرادة حقيقية لدى الشعوب العربية بالتحول من التلقي إلى صناعة الصورة بنفسها في معركة مزدوجة:

داخلياً : حيث تعمل على نهضة حقيقية تستلهم من التراث قيم الأصالة و من العصر أدوات الحداثة.

خارجياً : تسعى إلى تفكيك الصورة الذهنية التي رسمها المستشرق القديم و مُررت من خلال وسائل الإعلام الغربية ، و التي غالباً ما تحصر العربي في أطر ضيقة من العنف و الإرهاب أو التخلف أو الثراء الاستهلاكي الطائش و غير الواعي .

 تغيير هذه النظرة يتطلب تقديم نموذج حضاري فاعل يثبت أن الخصوصية العربية لا تتعارض مع القيم الإنسانية لبقية شعوب الأرض ، بل هي تُغنيها بتجربة روحية و اجتماعية لا تقل عراقة و تميز .

السعي للتلاقي كبديل للاصطدام : 

إن مراجعة تاريخ البشرية الطويل في النزاعات و الصراعات أو حتى المواجهات المسلحة ، و الإدراك السليم للواقع السياسي و البيئي و الاجتماعي في العالم المعاصر يثبت أن لا أحد يملك القدرة على إنهاء الآخر أو إقصائه نهائياً. 

و فكرة “صراع الحضارات” التي جاءت على ألسنة البعض و كأنها ستعبر في لمحة سريعة من عمر الزمن، و دون وضع حسابات لوجود حقيقي للبشر على الأرض قبل الحضارات ، أثبتت أنها وصفة للدمار الشامل و للجميع ، و ليست استراتيجية نصر لأي أحد .

 

وعليه فإن تحقيق تلاقي للحضارات يحفظ لكل منها هويتها يتطلب : 

أولاً : الاعتراف بالخصوصية : فيجب أن يدرك الغرب أن احترام التنوع الثقافي ليس من قبيل المجاملة ، بل هو ضرورة لاستقرار النظام العالمي.

ثانياً : الامتزاج الثقافي لا الانصهار : إذ أن تلاقي الحضارات لا يعني ذوبان واحدة في الأخرى، بل يعني إيجاد مساحات مشتركة تسمح بالتعاون الاقتصادي و العلمي مع الحفاظ على تلك الخطوط الفاصلة الواعية التي تمنع ذوبان الهوية المحلية في هويات و ثقافات أخرى .

ثالثاً : تبني عقلانية الحوار: و هو البديل السليم عن الاقتتال الدائم ، حوار قائم على الندية لا الفوقية و الأستاذية التي يتبناها الغرب .

فعظمة الحضارة لا تُقاس بمدى قدرتها على فرض نموذجها، بل بمدى اتساع أفقها لاستيعاب التعددية البشرية ، لتكون هذه التعددية مصدر إثراء و قوة .

الخاتمة : نحو أفق إنساني مشترك

إن الانتقال من مربع النزاعات إلى أفق الحوار البنّاء يتطلب شجاعة من كلا الجانبين. ففي حين يحتاج الغرب إلى التحرر من مركزيته العرقية و نرجسيته الثقافية، يواجه العرب استحقاق الخروج من دائرة التوجس و العزلة الدفاعية نحو شراكة فعلية في المسيرة البشرية. 

و الاعتراف بالتمايز القيمي لكل طرف هو طوق النجاة الوحيد وسط تلك الصدامات الراهنة .

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى