في كل عمل درامي ناجح، يتكرر السؤال نفسه: لمن يعود الفضل الحقيقي؟ هل للكاتب الذي ابتكر فكرة العمل، ورسم الشخصيات، وصاغ الحوار؟
أم للمخرج الذي منح هذه الكلمات روحا على الشاشة، وحولها إلى صورة حية للحياة؟
الإجابة ليست سهلة، لأن الدراما فن جماعي، لكن الحقيقة أن أي عمل عظيم يبدأ بكلمة.
فالكاتب هو أول من له الفضل لشخصيات لم تكن موجودة، ويحدد مسارها وصراعاتها، ويضع الأساس الذي سيبنى عليه كل شيء.
فإذا كان النص ضعيفا، فلن يستطيع أي مخرج، مهما بلغت موهبته، أن يصنع عملا مؤثرا .
قد يقع نص جيد في يد مخرج لا يمتلك رؤية واضحة، فيخرج العمل باهتا، غير واضح، بلا إيقاع، ولا روح، ولا قدرة على التأثير. فالمخرج ليس مجرد منفذ للسيناريو، بل هو صاحب الرؤية البصرية، والقادر على تحويل الكلمات إلى مشاهد تعيش في ذاكرة الجمهور، من خلال اختياراته للممثلين، وإدارة الأداء، وحركة الكاميرا، والإيقاع، والموسيقى، وكل التفاصيل التي تمنح العمل هويته.
وربما تكمن الأزمة اليوم في محاولات البحث عن البطل الوحيد للعمل الدرامي، بينما الحقيقة أن النجاح لا يصنعه شخص واحد. فالدراما تشبه الأوركسترا؛ قد يكتب المؤلف أجمل وأعمق مقطوعة، لكن من دون قائد بارع لن تصل إلى الجمهور بالصورة التي تستحقها.
وفي المقابل، لا يستطيع أعظم قائد أوركسترا أن يبدع إذا كانت النوتة الموسيقية ضعيفة.
فالأعمال التي بقيت في ذاكرة المشاهد العربية تنجح لأن كاتبها كان مبدعا، ومخرجها كان متميزا والعلاقة بينهما كانت قائمة على التكامل، لا الصراع.
كل منهما كان يعرف حدوده، ويحترم مساحة الآخر، ويعمل من أجل هدف واحد: تقديم عمل يليق بالجمهور ويجذب المشاهد .
لذلك، ربما يكون السؤال الأدق ليس: من صاحب البصمة الحقيقية؟ بل: كيف نصنع هذا الانسجام بين الكاتب والمخرج؟ فحين يلتقي النص القوي بالرؤية الإخراجية المبدعة، تولد أعمال تتجاوز زمن عرضها، وتبقى حاضرة في وجدان المشاهد لسنوات طويلة .
فهناك اعمال مازالت محفورة فى ذاكرة الجمهور على سبيل المثال:
ارابيسك، ليالى الحلمية، العائلة
أهالينا، والشهد والدموع وغيرها من الكثير من الأعمال الدرامية التى لا تعد ولا تاريخ طويل لا ينسى .
فالدراما لا تنتصر للكاتب وحده، ولا للمخرج وحده، بل تنتصر عندما يصبح الاثنان شريكين في صناعة عمل يحترم عقل الجمهور، ويؤمن بأن الفن الحقيقي لا يقوم على المنافسة بين مبدعيه، ولكن على تكاملهم مع بعضهما البعض .
