هناك أصوات لا ترتفع بالصراخ، لكنها تحمل من الوجع ما يكفى ليهز الضمير. ومن بين هذه الأصوات يأتى صوت أصحاب المعاشات، الذين أفنوا سنوات عمرهم فى العمل، والسعى لتحقيق الذات وخدموا مؤسساتهم ووطنهم بإخلاص، ليجد كثير منهم أنفسهم اليوم فى مواجهة واقع اقتصادى قاسى، لا يرحم دخلا ثابتا ولا ينتظر ظروفا خاصة.
فالمعاش الذى كان من المفترض أن يكون مصدرا للأمان لهم ولأسرهم بعد رحلة طويلة من العطاء، أصبح فى كثير من الأحيان لا يكفى لتغطية الاحتياجات الأساسية. أسعار الغذاء والدواء وفواتير الخدمات والمواصلات فى ارتفاع مستمر، بينما يظل دخل الكثير من أصحاب المعاشات محدودا أمام هذه الزيادات، وهو ما يفرض ضغوطا كبيرة على حياتهم اليومية.
الأمر لا يتعلق بالأرقام فقط، بل بجودة الحياة والقدرة على العيش بكرامة. فمن غير المنطقى أن يقضى إنسان عشرات السنين فى العمل، ثم يجد نفسه بعد التقاعد مضطرا إلى حساب كل جنيه قبل شراء دواء أو توفير احتياجات منزله.
فالتقاعد يجب أن يكون بداية لمرحلة من الاستقرار، لا بداية لمعاناة جديدة قد تعوقه على العيش بسلام .
ولا يمكن إنكار الجهود التى تبذل لتحسين أوضاع أصحاب المعاشات من خلال الزيادات الدورية وبرامج الدعم، لكنها تظل محل متابعة من المواطنين فى ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما يدفع كثيرين للمطالبة بمواصلة تطوير منظومة المعاشات بما يحقق قدرا أكبر من التوازن بين الدخل والاحتياجات الأساسية.
إن أصحاب المعاشات ليسوا عبئا على المجتمع، بل هم أصحاب فضل وخبرة، ساهموا فى بناء مؤسسات الدولة ودفع عجلة الإنتاج سنوات طويلة. واحترام هذه الفئة لا يكون بالكلمات وحدها، بل بتوفير حياة كريمة تليق بما قدموه، وتضمن لهم الشعور بالأمان والطمأنينة بعد سنوات العمل.
ويبقى السؤال الذى يفرض نفسه: من يسمع صوت أصحاب المعاشات؟ وهل يأتى اليوم الذى يشعر فيه كل صاحب معاش بأن سنوات عطائه قوبلت بالتقدير الذى يستحقه ؟
