تحليل: رغدة عواد
قد تبدو بعض الأرقام متقاربة بين المنتخبين، لكن التفاصيل تكشف لماذا نجحت إسبانيا في حسم بطاقة التأهل إلى النهائي بثنائية نظيفة. فالمباراة لم تُحسم بالاستحواذ أو كثرة التسديدات، بل بجودة الفرص، والفاعلية الهجومية، والانضباط التكتيكي.
بدأت المباراة بتقارب كبير في الاستحواذ، حيث استحوذت إسبانيا على الكرة بنسبة 51% مقابل 49% لفرنسا، وهو فارق بسيط يعكس أن اللقاء كان متوازنًا في السيطرة على مجريات اللعب. إلا أن المنتخب الإسباني كان أكثر قدرة على تدوير الكرة، بعدما أكمل 428 تمريرة مقابل 395 تمريرة لفرنسا، ليحافظ على إيقاع المباراة ويمنع منافسه من فرض أسلوبه.
وعلى الرغم من أن الفريقين سددا 10 تسديدات لكل منهما، فإن جودة هذه المحاولات كانت مختلفة تمامًا. فرنسا سددت 3 كرات على المرمى مقابل 2 فقط لإسبانيا، لكن هذا الرقم كان خادعًا، لأن معظم محاولات فرنسا جاءت من زوايا صعبة أو مسافات بعيدة، وهو ما تؤكده أرقام الأهداف المتوقعة (xG) التي بلغت 0.30 فقط، مقابل 1.63 لإسبانيا، لتثبت أن المنتخب الإسباني خلق فرصًا أخطر بكثير رغم تساوي عدد التسديدات.
وتتضح هذه الأفضلية بصورة أكبر في مؤشر الأهداف المتوقعة على المرمى (xGOT)، حيث سجلت فرنسا 0.07 فقط، مقابل 1.57 لإسبانيا، وهو رقم يؤكد أن تسديدات المنتخب الإسباني كانت عالية الجودة وقريبة جدًا من التسجيل، بينما لم تشكل محاولات فرنسا تهديدًا حقيقيًا على المرمى.
أما داخل منطقة الجزاء، فقد سددت إسبانيا 5 كرات مقابل 4 لفرنسا، بينما جاءت 5 تسديدات خارج المنطقة لكل فريق، مع أفضلية لفرنسا بتسديدة إضافية من خارج المنطقة (6 مقابل 5). كما تصدى الدفاع الإسباني لثلاث تسديدات، مقابل اثنتين فقط للدفاع الفرنسي، في دلالة على التنظيم الدفاعي الجيد.
ورغم حصول فرنسا على 7 ركلات ركنية مقابل ركنية واحدة فقط لإسبانيا، فإنها فشلت في استغلال هذا التفوق، بينما لم يحتج المنتخب الإسباني إلى كثرة الركنيات لصناعة الخطورة، إذ اعتمد على الهجمات المنظمة والاختراقات المباشرة. كذلك وقع المنتخبان كثيرًا في مصيدة التسلل، بواقع 5 مرات لإسبانيا و4 مرات لفرنسا، نتيجة محاولات متكررة لاختراق الخط الدفاعي.
وفي صناعة الفرص، كانت المفارقة أن فرنسا تفوقت في مؤشر Expected Assists بـ 0.85 مقابل 0.54 لإسبانيا، لكنها لم تستطع تحويل هذا التفوق النظري إلى فرص حقيقية أو أهداف، بينما كانت إسبانيا أكثر حسمًا في الثلث الأخير. كما اعتمدت فرنسا بشكل أكبر على الكرات العرضية، حيث نجحت في 4 عرضيات من أصل 20 بنسبة 20%، مقابل عرضية ناجحة واحدة من أصل 8 بنسبة 12% لإسبانيا، لكن العرضيات الفرنسية لم تُترجم إلى فرص خطيرة.
أهم أرقام المباراة كانت في الفرص المحققة؛ إذ صنعت إسبانيا 3 فرص كبيرة، بينما لم تصنع فرنسا أي فرصة محققة طوال اللقاء، ورغم إهدار الإسبان فرصة كبيرة واحدة، فإنهم استغلوا ما يكفي لحسم المباراة بهدفين دون رد.
دفاعيًا، ظهر الانضباط الإسباني بوضوح، حيث تساوى المنتخبان في عدد الاعتراضات بواقع 7 اعتراضات لكل فريق، لكن الفارق كان في جودة الدفاع داخل منطقة الجزاء. فقد بلغ الأهداف المتوقعة المستقبلة على مرمى إسبانيا 0.30 فقط، مقابل 1.63 على مرمى فرنسا، وهو ما يعكس نجاح الدفاع الإسباني في الحد من خطورة الهجوم الفرنسي.
كما لعب حارس إسبانيا دورًا مهمًا بعدما تصدى لـ 3 كرات، في حين لم يقم حارس فرنسا بأي تصدٍ، بعدما استقبل هدفين من الفرص القليلة التي سنحت لإسبانيا.
وفي الصراعات الفردية، فرض المنتخب الإسباني أفضليته بوضوح، بعدما فاز بـ 52 التحامًا مقابل 41 لفرنسا. وكان التفوق الأكبر في الكرات الهوائية، حيث فازت إسبانيا بـ 17 التحامًا من أصل 25 بنسبة 68%، مقابل 8 فقط لفرنسا بنسبة 32%، وهو ما منح الإسبان السيطرة على الكرات الطويلة والثابتة. كما تفوقوا أيضًا في الالتحامات الأرضية بنسبة 51% مقابل 49%.
ومن الناحية الانضباطية، ارتكب المنتخب الفرنسي 11 خطأ مقابل 12 لإسبانيا، بينما حصل لاعبو فرنسا على بطاقتين صفراوين مقابل بطاقة واحدة لإسبانيا، ولم تُشهر أي بطاقة حمراء طوال المباراة.
أما الوقت الفعلي للعب، فقد بلغ 58 دقيقة و41 ثانية من أصل 103 دقائق و15 ثانية، وهو ما يعكس مباراة شهدت العديد من التوقفات، لكن ذلك لم يمنع إسبانيا من الحفاظ على تركيزها وإدارة اللقاء بالشكل الأمثل.
الخلاصة: رغم تقارب الاستحواذ وتساوي عدد التسديدات، فإن إسبانيا كانت الطرف الأكثر نضجًا وفاعلية. فقد صنعت فرصًا أخطر، وتفوقت بوضوح في مؤشر الأهداف المتوقعة، وربحت معظم الالتحامات، ونجحت في إغلاق المساحات أمام فرنسا، لتؤكد بالأرقام قبل النتيجة أنها كانت الطرف الأفضل، وتحجز مقعدها في نهائي كأس العالم عن جدارة واستحقاق.
