الست أمينة… شهادة لم تصل

كتبت / رنيم علاء نور الدين
كانت أمينة ذهني امرأة بسيطة، تحمل على كتفيها أثقال السنين، وتبيع الخضار في باب الشعرية لتقاوم قسوة الحياة. لم تكن تطلب الكثير… فقط قوت يومها وستر ربها. رأى فيها نجيب الريحاني شيئًا نادرًا: صدقًا خاليًا من التمثيل، وتعبًا يكاد يُبكي الحجارة. كان يمر عليها يوميًا، يسأل عن حالها ويحاول مساعدتها، لكنها كانت ترفض المال بعزة نفس لا تنحني.
إلى أن جاءته فكرة… فكرة تُسعدها دون أن تُحرجها.
قرر أن يمنحها دورًا صغيرًا في فيلم سلامة في خير—مشاهد ابتكرها خصيصًا لها، لتظهر في مقام “حماته”، رغم أن السيناريو لم يتضمن وجودها من الأصل.
في يوم التصوير، جاءت أمينة مرتعشة من الخوف، تُبصّ للكاميرا، وتلخبط الحوار، وتشرب السجائر داخل اللقطة، لكن الريحاني لم يُعد المشاهد. كان يسجل كل شيء كما هو… كأنه أراد الاحتفاظ بإنسانيتها الخام كما هي.
عند انتهاء التصوير، وضع في يدها خمسين جنيهًا—مبلغًا يُعد ثروة آنذاك—وقال لها إن دورها انتهى. فرحت أمينة فرحًا حقيقيًا، فرحًا يُسمع في صوتها ويُرى في عينيها. أوقف لها تاكسي بنفسه، ووصّى السائق أن يعيدها إلى بيتها بسلام.
لكن أمينة… لم تصل.
في الصباح التالي، جاءت جارتها إلى باب نجيب الريحاني باكية:
«ست أمينة ما رجعتش من امبارح.»
بحث الريحاني في كل مكان—مستشفيات، أقسام شرطة، شوارع جانبية—ولكن بلا جدوى. اختفت أمينة دون أثر… ودون وداع.
وبعد الحادثة بعشرة أيام، ذهب الريحاني بنفسه إلى المنطقة الصحراوية لعلّه يجد خيطًا يطمئنه. لكنه وجد ما توقّع الأسوأ منه.
وجد بقايا ملابس ممزقة… ولم يجد الجسد.
علم أن الضباع والكلاب أكلوا ما تبقى من أمينة، وتركوها للتراب بلا هوية… وبلا قبر. عاد يمشي مكسورًا، وكأن الدنيا كلها ثقلت فوق كتفيه.
مرّت السنين، وبقي السر مدفونًا… حتى كشفه القدر.
بعد 27 عامًا، وقبل تنفيذ حكم الإعدام في بلطجي قاتل، انهار الرجل باكيًا أمام الشيخ وقال:
«دي مش أول مرة أقتل… زمان قتلت ست عجوز… ركبها نجيب الريحاني في تاكسي… وكانت بتعد فلوس كتير… قتلتها ورميتها من فوق الجبل.»
تلك كانت نهاية أمينة.
لكن القصة لم تنته عند هذا الاعتراف.
الكاتب بديع خيري روى لاحقًا أنه عرف التفاصيل من ضابط كان حاضرًا يوم تنفيذ الإعدام. قال الضابط إن أمينة كانت تزوره في المنام دائمًا، تبكي وتتوسل، كأن روحها تبحث عن كلمة حق تخرج للنور.
وبعد أن اعترف القاتل وقُصّ الحدث كاملًا… رأى الضابط في حلمه أمينة للمرة الأخيرة.
قال إنها ظهرت له بثوب أبيض، ولها جناحات، ووجه هادئ لا يشبه بكاءها السابق. طارت في السماء بسلام… ثم اختفت. ومنذ تلك الليلة، لم تعد لزيارته في المنام أبدًا.
هذه الوقائع وردت في مذكرات نجيب الريحاني التي نشرتها مجلة الكواكب، لتبقى قصة أمينة شاهدًا على روح بكت ظلمها حتى انكشف… ثم هدأت.
ويبقى السؤال…
هل ترتاح الأرواح حين تُكشف الحقيقة… أم حين يُنصفها الزمن ولو بعد فوات الأوان؟




