خيط الجريمة.. «العار» يقتل طفلة في الوراق

بقلم: رنيم علاء نور الدين
في بعض الجرائم لا يكون القاتل غريبًا، ولا يأتي الخطر من خارج البيت، بل يولد داخل الجدران نفسها. هناك، حيث يفترض أن تكون الحماية، قد تتحول الخيوط الخفية إلى فخ قاتل. هكذا بدأت مأساة الطفلة «عُلا»، التي لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، لتنتهي حياتها بطريقة صادمة على يد أقرب الناس إليها.
القصة التي هزت محافظة الجيزة لم تكن مجرد واقعة قتل عادية، بل جريمة نسجت خيوطها داخل دائرة الأسرة، حين تحول الخوف من كلام الناس إلى دافع لإنهاء حياة فتاة صغيرة قبل أن تبدأ حياتها أصلًا.
كانت «عُلا محمود سيد برعي» فتاة في مقتبل العمر، تحمل أحلامًا بسيطة مثل أي فتاة في سنها، لكن تلك الأحلام توقفت فجأة في الخامس والعشرين من يوليو 2025، داخل نطاق قسم شرطة الوراق، حين تحولت الضغوط الاجتماعية والخوف من «الفضيحة» إلى قرار مأساوي.
التحقيقات كشفت أن الطفلة وضعت طفلًا دون زواج، وهو الأمر الذي أشعل الخوف داخل الأسرة من العار والحديث الدائر في المجتمع. ومع تصاعد التوتر داخل المنزل، بدأت خيوط الجريمة تتشكل بهدوء بعيدًا عن أعين الجميع.
ووفق ما ورد في أمر الإحالة، فإن أربعة من المتهمين، وهم هبة (43 عامًا)، جميلة (65 عامًا)، شمس الدين (44 عامًا)، وأحمد (26 عامًا)، قرروا التخلص من الطفلة نهائيًا. لم يكن القرار لحظة غضب عابرة، بل مخططًا جرى الإعداد له مسبقًا.
أعد المتهمون مادة سامة تُعرف بين المزارعين باسم «حبة الغلة»، وهي مادة شديدة الخطورة تستخدم لحفظ الحبوب، لكنها تحولت في تلك الليلة إلى أداة قتل. تم وضع المادة داخل مشروب، ثم أُجبرت الطفلة على تناوله رغمًا عنها، في لحظة لم تكن قادرة فيها على الدفاع عن نفسها أو إدراك ما يحدث حولها.
لم تمضِ دقائق طويلة حتى بدأ السم يفعل فعله داخل جسدها الصغير. انهارت الطفلة سريعًا، قبل أن تفارق الحياة نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية والتنفسية.
لكن الجريمة لم تتوقف عند هذا الحد.
فبعد أن لفظت «عُلا» أنفاسها الأخيرة، بدأ فصل آخر من القصة. المتهمان الخامس والسادس، دسوقي (40 عامًا) ورجب (45 عامًا)، شاركا في محاولة طمس الحقيقة وإخفاء الجريمة. تم نقل الجثمان داخل صندوق سيارة ربع نقل بيضاء، في محاولة لدفنه بعيدًا عن أعين الجهات المختصة وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن الجرائم الكبرى غالبًا ما تترك خلفها خيطًا صغيرًا يقود إلى الحقيقة.
بعد أيام، عثر أحد الأهالي، ويدعى سيد (69 عامًا)، على جثمان الطفلة ملقى في مكان مهجور، ليبادر بإبلاغ الشرطة فورًا. ومع بداية التحقيقات، بدأ رجال البحث الجنائي في تتبع الخيوط المتشابكة التي تحيط بالقضية.
ومع توالي التحقيقات، تكشفت التفاصيل الصادمة. أكد محمد طارق (38 عامًا)، وكيل إدارة البحث الجنائي بالهرم سابقًا، أن المتهمين خططوا للجريمة بدافع هاجس العار والخوف من الفضيحة، موضحًا كيف تم إعداد المادة السامة وإجبار الطفلة على تناولها.
ومع ضغط التحقيقات، انهارت روايات المتهمين. اعترف المتهمان الأول والثالث بتفاصيل الجريمة كاملة، بينما أقر المتهمان الخامس والسادس بمشاركتهما في إخفاء الجثمان ونقله تمهيدًا لدفنه بعيدًا عن الأنظار.
كما أثبتت التحقيقات استخدام سيارة ربع نقل بيضاء تحمل أرقام (ه ب 6913) في نقل الجثمان، فيما أكد تقرير الطب الشرعي أن الوفاة نتجت عن التسمم بمادة «حبة الغلة». ورغم مرور 18 يومًا على الوفاة قبل استخراج الجثمان، وما نتج عن ذلك من تحلل متقدم، فإن التحاليل الكيميائية دعمت فرضية التسمم.
وبناءً على تلك الأدلة، قررت نيابة شمال الجيزة إحالة المتهمين الستة إلى محكمة جنايات الجيزة، بتهمة قتل الطفلة عمدًا مع سبق الإصرار، في واحدة من القضايا التي صدمت الرأي العام وأثارت تساؤلات كثيرة حول قسوة المجتمع أحيانًا على ضحاياه.
لكن السؤال الذي يبقى معلقًا بعد كشف خيوط هذه الجريمة:
كيف يمكن للخوف من كلام الناس أن يتحول إلى حكم بالموت على طفلة لم تتجاوز السادسة عشرة؟




