حوادث
أخر الأخبار

جريمة باسم الشرف.. حكاية باناز محمود التي دفعت حياتها ثمنًا لحريتها

 

كتبت: رنيم علاء نور الدين

لم تكن باناز محمود تتخيل أن محاولاتها المتكررة للنجاة ستنتهي بهذه الطريقة المأساوية. فتاة في ريعان شبابها، حلمها الوحيد كان أن تعيش مثل أي إنسانة طبيعية، تختار شريك حياتها بإرادتها، لكن هذا الحلم البسيط تحول إلى تهمة، ثم إلى حكم إعدام نفذته عائلتها نفسها.

باناز، الشابة الكردية التي وُلدت لعائلة هاجرت من العراق إلى بريطانيا، عاشت داخل مجتمع مغلق تحكمه أفكار تقليدية صارمة، حيث كانت القرارات المصيرية في حياتها تُتخذ دون أن يكون لها رأي فيها، بداية من طريقة حياتها وحتى زواجها.

في سن السابعة عشرة، أُجبرت على الزواج من رجل يكبرها بنحو عشر سنوات. زواج لم يبدأ بالقبول، وانتهى سريعًا إلى دائرة من العنف الجسدي والنفسي. الضرب والإهانة أصبحا جزءًا من يومها، بينما كانت محاولاتها للشكوى والهرب تصطدم بالخوف والضغط العائلي.

لم تستسلم باناز. حاولت اللجوء إلى الشرطة البريطانية أكثر من مرة، وقدمت بلاغات عن العنف الذي تتعرض له، بل وحذرت من أنها قد تُقتل، لكن تلك التحذيرات لم تُعامل بالجدية الكافية، لتجد نفسها في مواجهة مصيرها وحدها.

قرار الطلاق كان بالنسبة لها بداية حياة جديدة، لكنه بالنسبة لعائلتها كان وصمة عار. لم يكن الاعتراض فقط على الانفصال، بل على كونها هي من اتخذت القرار بنفسها.

بعد الطلاق، تعرفت باناز على شاب يدعى رحمان سليماني، كان مقربًا من العائلة. نشأت بينهما علاقة عاطفية، وقرر التقدم لخطبتها، لكن الرفض هذه المرة كان قاطعًا. لم يكن السبب شخصه، بل فكرة أن باناز اختارت بنفسها مرة أخرى.

بدأت الضغوط تتصاعد. تعرضت للتهديد والضرب والإجبار على إنهاء العلاقة. وتحت وطأة الخوف، أعلنت أنها أنهت علاقتها به، بينما استمرت في مقابلته سرًا، محاولة التمسك بما تبقى من حقها في حياة طبيعية.

لكن السر لم يبق طويلًا.

حين اكتشف أحد أفراد العائلة استمرار العلاقة، صدر القرار داخل الدائرة العائلية: يجب “محو العار”. كلمات كانت بمثابة حكم نهائي على حياتها.

شعرت باناز بالخطر يقترب. ذهبت مرة أخرى إلى الشرطة، وأبلغتهم بتفاصيل التهديدات، بل وحددت أسماء الأشخاص الذين تخشى منهم، لكن الوقت كان قد بدأ ينفد.

في فبراير، تحولت المخاوف إلى حقيقة دامية.

اقتحم ثلاثة من أبناء عمومتها شقتها. ما حدث بعدها لم يكن مجرد جريمة قتل، بل واقعة تعذيب قاسية استمرت لساعات، قبل أن يتم خنقها حتى لفظت أنفاسها الأخيرة.

لكن الجريمة لم تنتهِ عند هذا الحد.

بعد وفاتها، تم تقطيع جثمانها وإخفاء أشلائها داخل حقيبة سفر، قبل أن تُدفن في مكان مهجور، في محاولة لمحو أي أثر لوجودها، وكأن حياتها لم تكن يومًا موجودة.

اختفاؤها لم يمر دون ملاحظة. كان رحمان أول من شك في الأمر بعد فشله في الوصول إليها، فأبلغ الشرطة. في البداية حاولت العائلة تبرير غيابها، لكن مراجعة البلاغات السابقة التي قدمتها باناز غيرت مسار التحقيق.

القبض على أحد المتهمين كان نقطة التحول. تحت التحقيق، انهار واعترف بتفاصيل الجريمة، مؤكدًا أنها كانت مخططة، وأن والدها كان من المحرضين الرئيسيين.

لاحقًا، تم القبض على باقي المتورطين، بينما حاول الأب الهروب إلى العراق. وبعد ملاحقة دولية، أُلقي القبض عليه وتم ترحيله إلى بريطانيا، حيث صدرت أحكام بالسجن المؤبد بحق المتورطين.

قصة باناز محمود لم تعد مجرد ملف جنائي، بل أصبحت واحدة من أشهر قضايا ما يسمى بجرائم “الشرف” التي أثارت جدلًا واسعًا حول حماية النساء، ودور الجهات المسؤولة في التعامل مع بلاغات التهديد الأسري بجدية قبل فوات الأوان.

باناز لم تكن تبحث عن بطولة.. كانت فقط تريد أن تعيش حياتها بقرارها.

فكم من الضحايا كان يمكن إنقاذهم لو تم الاستماع إلى استغاثاتهم في الوقت المناسب؟

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى