نسرين معتوق تكتب : بين “مطرقة” الكنيست و”سندان” القانون الدولي: إعدام الأسرى.. عندما يُشرعن القتل

بقلم: نسرين معتوق
لطالما تعلمنا في قاعات كلية الحقوق أن القانون وجد ليضبط الفوضى ، و يحمي الضعيف ، و يصون كرامة الإنسان حتى في أحلك الظروف .
فقد نشأتُ على مبدأ أن العدالة ليست مجرد نصوص في الكتب ، بل هي الروح التي تمنع قانون الغاب من التغول هنا بيننا كبشر .
لكن اليوم و نحن نشهد سعي الكنيست الإسرائيلي لإقرار قانون يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين ، أجدني أمام مفارقة مؤلمة ، حيث يُستخدم القانون نفسه كأداة لارتكاب الجريمة ، و عليه يتحول التشريع من وسيلة للعدالة إلى سكين على رقاب البشر.
جريمة مكتملة الأركان بقناع قانوني:
إن هذا القانون الذي يسعى الكنيست الإسرائيلي لإقراره ليس مجرد إجراء أمني كما يُروَّج له ، بل هو جريمة تستهتر بكل ما أنجزته البشرية من مواثيق بعد حربين عالميتين مدمرتين ، دفعت فيهما الإنسانية الملايين من الضحايا و المشردين. و المفارقة المضحكة و المبكية هنا أن اليهود أنفسهم طالما سوّقوا لرواية كانوا من خلالها ضحايا و مشردين لنفس تلك الحقبة من الزمن ، و الآن يمارسون الدور ذاته ضد غيرهم.
نحن هنا لا نتحدث عن دولة تمارس حقها في التشريع، بل عن كيان يُشرعن بقوة الاحتلال منهجه المجرم ، ضارباً عرض الحائط باتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949م ، إذ تمثل المادة (13) من هذه الاتفاقية صمام أمان يوجب معاملة الأسرى معاملة إنسانية ، و يحظر أي فعل يسبب موتهم .
و عليه ، فإن محاولة شرعنة القتل أو تقنينه ما هي إلا اعتراف صريح بانهيار المنظومة الأخلاقية و القانونية لمن أصدرها.
عدالة الغاب والتمييز العنصري :
فمن الناحية القانونية البحتة ، يواجه هذا التشريع معضلة بطلان كبرى .. كيف ؟
فبموجب اتفاقية جنيف الرابعة ، تنص (المادة 68) على قيود مشددة بخصوص عقوبة الإعدام في الأراضي المحتلة ، و يُشترط أن تكون القوانين سارية قبل بدء النزاع .
و لكن الأبعد و الأخطر من نصوص القوانين و موادها، هو ذلك الوجه الذي يُبرز “الأبارتهايد” في أبشع صوره؛ حيث إن هذا القانون يستهدف فئة قومية محددة ، مما يجعله يقع تحت طائلة اتفاقيات مناهضة الفصل العنصري .
فكيف إذن يمكن لضمير العالم أن يقبل بتلك المحاكم العسكرية لكيان محتل في القرن الحادي والعشرين ، يفتقر لأدنى معايير الحياد والعدالة، ليقرر مصير إنسان أعزل في حوزته، فيختار له الحياة أو الموت؟!
إن أي حكم قد يصدر عن هذه المحاكم لن يكون حكماً قضائياً ، بل هو “قتل خارج نطاق القانون” أُلبس ثوباً من الشرعية المزيفة و المعيبة.
البعد الإنساني المنسي:
بعيداً عن المواد القانونية و الأرقام ، هناك بعد إنساني يئن في الخلف ؛ فكل أسير له أم تنتظر ، و طفل يحلم برؤية أبيه أو أمه ، في الخلف حكاية شعب يرفض الفناء . و تحويل الإعدام إلى أداة سياسية ما هو إلا محاولة لكسر إرادة الإنسان ، و هو تراجع حضاري يعيدنا إلى حقب مظلمة في تاريخ البشرية.
إن حرمان الأسير من محاكمة عادلة ، أو تعمد قتله ، هو جريمة حرب ، و جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم.
أخيراً، وكما درست في القانون، فإن الشرعية لا تُستمد من تلك البرلمانات التي تُشرعن القتل لفئات بعينها، بل تولد الشرعية من رحم احترام الكرامة الإنسانية ومدى الجهد المبذول في الحفاظ عليها.
سيبقى هذا القانون “الجريمة” وصمة عار في سجل القانون الدولي إذا تم تمريره، وإذا لم يتحرك الضمير العالمي لمحاصرته وإبطاله من خلال المؤسسات والمنظمات الحقوقية الدولية والأهلية. الأسرى ليسوا أرقاماً في ملفات أمنية، بل هم بشر من دم ولحم، أصحاب أرواح وأصحاب قضية.




