
لم يعد الأمر مجرد منصات للتواصل أو مشاركة اللحظات اليومية، بل تحولت السوشيال ميديا إلى ساحة مفتوحة للمحاكمة، حيث لا قاض رسمي ولا قانون واضح، لكن الأحكام تصدر بسرعة البرق… وغالبا بلا رجعة.
بمجرد انتشار فيديو أو صورة أو حتى جملة مقتطعة من سياقها، يبدأ سيل من التعليقات، كل شخص يحمل مطرقته الافتراضية، يضرب بها دون تردد.
لا أحد يسأل عن الحقيقة كاملة، ولا أحد ينتظر التحقق. يكفي أن التريند قال :
حتى يصبح الحكم واجب التنفيذ.
الأخطر من ذلك، أن هذه المحاكمات لا تعترف بمبدأ المتهم بريء حتى تثبت إدانته، على العكس تماما، المتهم مدان أولًا، ثم يبحث إن استطاع عن فرصة لإثبات براءته وسط ضجيج لا يهدأ. وفي كثير من الأحيان، حتى لو ظهرت الحقيقة لاحقا، يكون الأذى قد وقع بالفعل .
والسمعة قد تضررت، وربما الحياة نفسها تغيرت للأبد.
السوشيال ميديا منحت الجميع صوتا، وهذا في حد ذاته مكسب كبير، لكنها في الوقت نفسه منحت البعض سلطة لم يكونوا مستعدين لها.
سلطة الحكم على الآخرين، والتشهير بهم، بل وأحيانا أخرى تحطيمهم نفسيا، دون أي شعور بالمسؤولية.
المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في طريقة استخدامها. بين حرية التعبير والفوضى، خيط رفيع جدا. وحين يكسر هذا الخيط، تتحول الحرية إلى سلاح، والآراء إلى اتهامات، والنقاش إلى إدانة جماعية.
ربما نحتاج أن نتوقف قليلا قبل أن نكتب تعليقا غاضبا، أو نشارك خبرا غير مؤكد. ربما نحتاج أن نتذكر أن خلف كل شاشة إنسان، له حياة ومشاعر، وليس مجرد تريند نمر عليه ثم ننساه .
في زمن السوشيال ميديا، لم يعد السؤال: من المخطئ؟
بل: من سيحاكم أولًا؟
وللأسف… الجميع مستعد لدور القاضي.




