مريم مصطفى تكتب : سيناء.. الأرض التي عادت بالدم والعقل من هزيمة 1967 إلى اكتمال النصر في 1989

لم يكن استرداد سيناء مجرد حدث عابر في التاريخ المصري، بل كان ملحمة وطنية متكاملة بدأت بمرارة الهزيمة في حرب 1967، وانتهت بانتصار عسكري وسياسي ودبلوماسي أعاد لمصر أرضها وكرامتها.
بعد احتلال شبه جزيرة سيناء عام 1967، دخلت مصر مرحلة صعبة، لكنها لم تستسلم، فكان الرد الحاسم في حرب أكتوبر 1973، حين نجح الجيش المصري في تحطيم خط بارليف وعبور قناة السويس، في واحدة من أعظم العمليات العسكرية في التاريخ الحديث، ما غيّر موازين القوى ومهّد الطريق لاستعادة الأرض عبر التفاوض.
ومع تغير المعادلة، جاءت اتفاقية كامب ديفيد كخطوة مفصلية نحو السلام، حيث أرست إطارًا لتسوية شاملة في الشرق الأوسط، مستندة إلى قراري مجلس الأمن 242 و338، اللذين أكدا على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة وحق شعوب المنطقة في العيش بسلام.
وفي 26 مارس 1979، تم توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، التي نصّت على إنهاء حالة الحرب بين مصر وإسرائيل، وانسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء على مراحل، مقابل إقامة سلام دائم بين الطرفين.
وبالفعل، بدأت عملية الانسحاب تدريجيًا، وسط متابعة دقيقة والتزام دولي بتنفيذ الاتفاق.

وجاء يوم 25 أبريل 1982 ليُسجل في التاريخ، حيث رُفع العلم المصري على كامل أرض سيناء، بعد انسحاب آخر جندي إسرائيلي، ليصبح هذا اليوم عيدًا قوميًا يُعرف بـ عيد تحرير سيناء، تخليدًا لعودة الأرض إلى السيادة المصرية.
لكن المشهد لم يكتمل فورًا، إذ بقيت “طابا” نقطة خلاف أخيرة، لتخوض مصر معركة من نوع مختلف، هذه المرة في ساحات القانون الدولي.
وبإصرار دبلوماسي، تم اللجوء إلى التحكيم الدولي، الذي أصدر حكمه عام 1988 بأحقية مصر في طابا، لتُرفع الراية المصرية عليها في 19 مارس 1989، معلنة اكتمال تحرير التراب الوطني.
وتكمن أهمية سيناء في موقعها الاستراتيجي الفريد، حيث تمثل بوابة مصر الشرقية، وتربط بين قارتي آسيا وأفريقيا، فضلًا عن ثرواتها الطبيعية ومكانتها الدينية والسياحية، ما يجعلها واحدة من أهم بقاع الأرض في المنطقة.
ولا يقتصر عيد تحرير سيناء على كونه ذكرى تاريخية، بل هو رسالة متجددة بأن استرداد الحقوق لا يتحقق بالقوة العسكرية فقط، بل بتكامل القوة مع الدبلوماسية، والإرادة مع الحكمة.
وفي هذا اليوم، تتجدد مشاعر الفخر في قلوب المصريين، وتُرفع الأعلام، وتُقام الاحتفالات الرسمية، لتبقى سيناء شاهدًا حيًا على أن الأرض التي تُروى بدماء أبنائها، لا يمكن أن تُفرّط فيها الأوطان.
سيناء ليست مجرد أرض… بل قصة وطن عرف كيف يُهزم، ثم كيف ينتصر.




