الدوكالي مفتاح الطرشاني : الأسرة العربية بين الأزمات الاقتصادية وتحديات البقاء

علاء حمدي
ضمن فعاليات الملتقى الحادي عشر لـ مجلس الأسرة العربية للتنمية، والمنعقد تحت رعاية الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، وبرئاسة الأمين العام للاتحاد والمشرف على المجالس د. أشرف عبد العزيز،د.امال ابراهيم رئيس مجلس الأسرة شارك نخبة من الأكاديميين والخبراء والباحثين من مختلف الدول العربية في مناقشة أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأسرة العربية في ظل الأزمات المتلاحقة التي يشهدها العالم.
الأسرة العربية بين الأزمات الاقتصادية وتحديات البقاء
قراءة تحليلية في انعكاسات تراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة على الأسرة العربية
وشهد الملتقى مشاركة ا.د الدوكالي مفتاح الطرشاني، بصفته مستشارًا بالهيئة الليبية للبحث العلمي بدولة ليبيا، حيث تناولت الورقة المقدمة خلال الملتقى الانعكاسات الاقتصادية الناتجة عن الأزمات، وما ترتب عليها من تراجع في الدخل وارتفاع في تكاليف المعيشة، وتأثير ذلك بصورة مباشرة على استقرار الأسرة العربية وجودة حياتها.
وأكدت الورقة أن الأسرة العربية لم تعد منشغلة فقط بتحسين مستوى الحياة أو تحقيق الرفاه، بل أصبح همّها الأساسي الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي والنفسي، في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة. وأشارت إلى أن الانتقال من مرحلة الطموح إلى دائرة القلق يعكس تحولات عميقة في بنية الحياة اليومية داخل المجتمعات العربية.
وتطرقت الورقة إلى أن الأزمات الاقتصادية لم تعد أحداثًا طارئة أو استثنائية، بل أصبحت ظاهرة متكررة تكشف عن اختلالات هيكلية في العديد من الاقتصادات العربية، أبرزها ضعف التنويع الاقتصادي، وهشاشة الإنتاج، والاعتماد على مصادر دخل غير مستقرة، الأمر الذي يجعل المجتمعات أكثر عرضة لتكرار الأزمات وإعادة إنتاج آثارها.
كما أوضحت أن تراجع الدخل الحقيقي لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي يُقاس بالأرقام، بل تحول إلى مسار يعيد تشكيل البنية الاجتماعية، من خلال تآكل القدرة الشرائية، وانكماش الطبقة الوسطى، واتساع دائرة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، بما يؤدي إلى إعادة إنتاج الفقر حتى داخل الفئات التي كانت تتمتع سابقًا بدرجة من الاستقرار.
وتناولت الورقة كذلك التأثير المباشر لارتفاع تكاليف المعيشة على جودة الحياة، حيث أصبح ارتفاع الأسعار لا يعني فقط زيادة الأعباء المالية، بل تراجع مستوى الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، وهو ما وصفته الورقة بـ “الإفقار النوعي”، أي استمرار الحياة في حدها الأدنى مع تراجع جودتها بصورة واضحة.
وأكدت أن تداعيات الأزمة الاقتصادية لا تتوقف عند حدود السوق أو الأرقام الاقتصادية، بل تمتد إلى داخل الأسرة نفسها، مسببة ضغوطًا نفسية وتوترات متراكمة وقلقًا دائمًا تجاه المستقبل، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الدور الأساسي للأسرة باعتبارها مساحة للأمان والاستقرار والدعم النفسي.
كما انتقدت الورقة محدودية بعض السياسات الاجتماعية والاقتصادية الحالية، موضحة أن كثيرًا من المبادرات تركز على معالجة النتائج بدلًا من مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمات، من خلال حلول مؤقتة واستجابات تفاعلية، مع غياب التكامل بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي، واختزال دور الأسرة في كونها متلقية للدعم بدلًا من اعتبارها شريكًا أساسيًا في التنمية.
وخلصت الورقة إلى مجموعة من النتائج المهمة، أبرزها أن الأزمات الاقتصادية في العالم العربي ذات طابع هيكلي متكرر، وأن الطبقة الوسطى تواجه ضغوطًا غير مسبوقة، في ظل تراجع واضح في جودة الحياة وتصاعد الضغوط النفسية والاجتماعية على الأسرة.
كما دعت إلى تبني رؤية مستقبلية أكثر شمولًا، تقوم على الانتقال من إدارة الفقر إلى بناء القدرة الاقتصادية للأسر، ووضع الأسرة في قلب السياسات التنموية، إلى جانب بناء أنظمة حماية اجتماعية مستدامة، وتمكين المرأة اقتصاديًا، وحماية التعليم والصحة باعتبارهما استثمارًا استراتيجيًا لاستقرار المجتمعات.
وأكدت الورقة في ختامها أن استقرار الأسرة العربية لم يعد قضية اجتماعية فقط، بل أصبح شرطًا أساسيًا لاستقرار الأوطان واستدامة التنمية، مشددة على أن مواجهة الأزمات لا تتحقق فقط عبر التكيف معها، بل من خلال بناء بيئة عادلة تمنح الأسرة القدرة على الاستقرار والنمو واستعادة دورها في بناء المجتمع.




