بقلم : رنيم علاء نور الدين
في الإسكندرية، خلف واجهات المباني الجامعية العريقة، ثمة ممرات قديمة تفوح منها رائحة “الفينيك” المخلوطة بالخوف. ممرات إذا استنطقت جدرانها، فلن تحكي لك عن معجزات الشفاء أو نبل المهنة السامية، بل عن صرخات مكتومة لنساء يُنتهكن في غرف الولادة، وعن دماء أطباء امتياز سالت خلف الأبواب المغلقة، وعن “تِكيات” خاصة تُدار خلف الستار لحساب عائلات نفوذ، يجمعون أرباحها لتمويل أقساط شاليهات العلمين وأبراج سموحة.
هذا التحقيق لا يبدأ فحسب من منشور طبيبة الامتياز “أمنية سويدان” الذي فجّر بركان الغضب في مستشفى الشاطبي قبل أيام، بل يعود ليربط الجذور ببئر عفن حُفرت أولى فصوله قبل سبعة وعشرين عاماً في ذات المكان؛ ليكشف بالوقائع والمستندات كيف تتوارث شبكات الفساد جيناتها عبر الأجيال بدم بارد.
ليلة لم تطلع لها شمس (كواليس بلطجة 1999)
الزمان: عام 1999. المكان: ردهات مستشفيات جامعة الإسكندرية.
في ذلك الصباح، استيقظ قسم الأورام والطب النووي على مفاجأة أربكت الحسابات: “أطباء الامتياز أعلنوا الإضراب الكلي وغابوا عن العمل”.
في كافيتيريا نادي الأطباء، كانت سحب دخان السجائر تتصاعد بكثافة، والوجوه الشابة يكسوها توتر خانق يمكنك أن تلمسه بيدك وتتذوق مرارته في فمك. في ركن بعيد، تكشفت الحكاية المرعبة التي هزت الكلية؛ طبيب امتياز مستضعف، مغترب جاء من أرياف مصر يملؤه الطموح، أوقعه حظه العاثر مع “عصابة القبضايات الثلاثة” في قسم نساء الشاطبي: مدرس مساعد متزوج من ابنة رئيس وحدة بالقسم، ومعيد مشهور بانتفاخ ذاته، وطبيب ثالث يحتمي باسم والده الأستاذ الكبير جداً في ذلك الوقت.
استلموا الفتى بالسخرية والإهانة المستمرة حتى نفد صبره، وعندما طالبهم “بالذوق” أن يحترموا كرامته والمكان، كان الرد سادياً وحيوانياً؛ أغلقوا عليه باب الغرفة واستعرضوا قوتهم عليه. ضربوه علقة موت سحلوه فيها حتى تركوه يزحف بين الحياة والموت ينزف من كيس الصفن والخصية، فضلاً عن الكسور والرضوض التي غطت جسده.
ولأن السفالة منظومة متكاملة، رفض موظفو السويتش نجدته وتركوه ينزف، حتى عثر عليه زملائه ونقلوه لطوارئ المستشفى الرئيسي الجامعي ليتحجز في قسم الجراحة. وعندما تحول الأمر لقضية جنائية وإدارية بضغط الإضراب، استعانت العصابة بضابط شرطة أشار عليهم بالخطة الأحط: “تلفيق جناية سرقة عهدة للطبيب الشاب، وتهديد الممرضة الشاهدة الوحيدة في شرفها بادعاء أنه تم ضبط الطبيب معها في وضع مخل!”. وسط هذا المستنقع، برز “نائب واحد فقط” من القسم، تطوع ليكون شاهد الزور الأوحد ويبيع كرامته لحماية البلطجية. لكن إرادة الله أبت إلا أن ينقلب السحر على الساحر، وانطق الحق على لسان طبيب حر رفض كتمان الشهادة، لينقشع الستار عن واحد من أقذر فصول طب الإسكندرية.
بركان الشاطبي يثور مجدداً (شهادة 2026)
تمر السنوات، وتبدل الأيام وجوهها، لنصل إلى يونيو عامنا هذا 2026. بركان غضب جديد ينفجر على السوشيال ميديا بطلته طبيبة الامتياز “أمنية سويدان”، التي فتحت الصندوق الأسود لكابوس عاشته لشهرين داخل قسم نساء الشاطبي، ليعيد التاريخ نفسه حرفياً في غياب الآدمية وسوء المعاملة، كما وثقته الصورة الواقعية المسربة من داخل أروقة طوارئ المستشفى الجامعي
تحدثت أمنية بمرارة هزت الرأي العام عن فتاة ذات 19 عاماً تُنتهك إنسانيتها وجسدها في كشك الولادة لأن الطبيب “مصدع من صوتها”، وعن أخرى تُصفع بقوة (قلم) على وجهها وهي تلد وتُوبخ بألفاظ خادشة للحياء من طبيب وممرضة، وعن ضحية اغتصاب وحشية جاءت بمحضر رسمي تنزف مهبلياً إثر تهتك في جدار الرحم، فرفض الطاقم الطبي إسعافها أو تقديم الجرعة الوقائية ضد مرض نقص المناعة (HIV) لأنهم قرروا أخلاقياً أنها “شرموطة” بناءً على ملابسها وسجائرها، وفضلوا إكمال شطائرهم بدم بارد!
كما فضحت الطبيبة اشتراط “قسيمة الزواج” لإنقاذ سيدة تواجه الموت بتسمم حمل إثر إجهاض غير مكتمل وعنف منزلي واضح، ولم تدخل إلا بعد أن كتبت طبيبة الامتياز تذكرة الدخول على مسؤوليتها مجبرة على صياغة جملة مهينة: “اشتباه حمل سفاح”. فتحت أمنية النار على “البيزنس الدائر”؛ من ولادات قيصرية غير ضرورية تُجرى لجمع أقساط العقارات الفاخرة، ومريضات يُعاملن كماشية يُضغط على أرحامهن بالكوع والركبة تسريعاً للوقت، وعن فكر ذكوري متعفن يمنع إنقاذ سيدة في العناية المركزة إلا بموافقة كتابية من زوجها المغترب أو أقاربه الذكور، رافضين توقيع أمها لأن “الست ميعتمدش قرارها!”.
الروابط الملعونة.. كيف يورث شاهد الزور ابنه؟
بينما كان المجتمع يغلي، وتفاعلاً مع هذه الاتهامات الخطيرة، أصدرت الإدارة المركزية لمستشفيات طب الإسكندرية قراراً مفاجئاً وبصيغة ساذجة وغير قانونية بالمرة: “منع أطباء الامتياز من التعلم والتدريب في أقسام جراحية بعينها”.
ثار غضب الأطباء؛ كيف يُعاقب الضحية ويُمنع من التعليم؟ لكن خلف هذا القرار “البظرميط” كان يختبئ بئر عفن آخر تكشف منذ فبراير الماضي. اتضح أن هناك “أستاذة نساء وتوليد” كبيرة بالمستشفى، كانت تُقحم ابنها (وهو طبيب امتياز بلا أي صفة أو حق قانوني) ليدير العمليات الجراحية بنفسه، بل وتجبر المعيدين والمدرسين المساعدين على أن يكونوا مساعدين له لتجهيزه كـ “مشروع طبيب فوق القانون”!
حين كثر اللغط وفُضحت التكية، أرادت الإدارة التغطية على الفضيحة بقرار منع الكل. وهنا ارتكب زوج الأستاذة الكبيرة (والد الفتى) خطيئة العمر؛ إذ اعتقد أن ركوب موجة المظلومية سيفيد عائلته، فنشر القرار على صفحته باعتباره “قراراً ظالماً” يستهدف ابنه، فنشرته الناس، لتلتفت إدارة الجامعة للمهزلة وتفتح تحقيقاً موسعاً أدان الأستاذة والابن والزوج وأحالهم جميعاً للمجازاة القانونية.
وهنا قفزت الروابط الملعونة لتصفع الجميع بالحقائق الصادمة:
هل تعرفون من هو زوج هذه الأستاذة “العفيجية” وأبو هذا الفتى الذي يسرق حقوق زملائه في 2026؟
إنه ذاته “نائب القسم” الذي تطوع ليكون شاهد الزور الأوحد قبل 27 عاماً ليحمي بلطجية عام 1999!
نفس الشخص الذي باع ضميره بالأمس ليشهد زوراً ويسحق كرامة طبيب امتياز مستضعف، هو نفسه من رعى الفساد اليوم ليربي ابنه على سلب حقوق أطباء الامتياز وتحويل المستشفى الحكومي إلى إقطاعية خاصة لتمويل نمط حياتهم الفاخر في أبراج سموحة وشاليهات العلمين.
المواجهة الرسمية الأخيرة
نحن أمام مشهدين يلتحمان في ذات المستنقع؛ من بلطجة الغرف المغلقة بالضرب والسحل في 1999، إلى بلطجة سلب الحقوق التعليمية وتحويل الأطباء الصغار لـ “خدامين” في 2026.
تفاعلاً مع هذا الغليان، أصدرت نقابة أطباء الإسكندرية بياناً رسمياً عاجلاً صادر عن مجلس النقابة ومذيل بختمها الرسمي بتاريخ 14 يونيو 2026، أكدت فيه أنها تتابع “بكل اهتمام وعن كثب كل ما يدور على صفحات التواصل الاجتماعي بخصوص أطباء الامتياز بالمستشفيات الجامعية بالإسكندرية”، معلنة أنها “تترك مساحة كاملة للتحقيقات القانونية الدائرة حالياً لاستجلاء الحقيقة”، ومشددة على أن لها عودة لاتخاذ الإجراءات الرادعة فور انتهاء التحقيقات.
يأتي هذا التحقيق ليضع الحقائق أمام النيابة العامة ووزارة الصحة وجامعة الإسكندرية: هل ستكون شهادة أمنية سويدان وفضيحة “ابن شاهد الزور” بداية حقيقية لتطهير مستشفيات الموت، أم ستمر الواقعة كغيرها خلف جدران “المهنة السامية” التي دنسها البعض عبر الأجيال؟
نعم يا أستاذ .. خلف أسوار طب الأزاريطة، رأينا سفالة عاصرت الأجيال وتفوقت على كل تخيل.
