بقلم د. امال ابراهيم
استشاري علاقات أسرية
في كثير من الأحيان، عندما يُذكر العنف الأسري، تتجه الأذهان مباشرة إلى الضرب أو الإيذاء الجسدي، بينما يغيب عن الانتباه نوع آخر من العنف قد يكون أشد أثرًا وأطول بقاءً، وهو العنف النفسي. فهو لا يترك كدمات ظاهرة على الجسد، لكنه يترك ندوبًا عميقة في النفس والثقة بالنفس والشعور بالأمان.
العنف النفسي داخل العلاقة الزوجية لا يبدأ عادةً بشكل صادم أو واضح، بل يتسلل تدريجيًا عبر كلمات جارحة، أو سخرية متكررة، أو تقليل من شأن الطرف الآخر، أو تجاهل مشاعره واحتياجاته. ومع مرور الوقت تتحول هذه السلوكيات إلى نمط دائم يضعف العلاقة ويهدم أسسها.
ويؤكد المتخصصون في العلاقات الأسرية أن من أخطر صور العنف النفسي التلاعب بالمشاعر، والتشكيك المستمر في قدرات الطرف الآخر أو إدراكه للأحداث، والعقاب بالصمت، والتهديد العاطفي، والرقابة المفرطة. فهذه الممارسات تجعل الضحية تعيش في حالة دائمة من القلق والتوتر وفقدان الثقة بالنفس.
ولا يتوقف تأثير العنف النفسي عند الزوجين فقط، بل يمتد إلى الأبناء الذين ينشأون في بيئة تفتقر إلى الاحترام والأمان العاطفي. فالطفل الذي يشاهد الإهانة أو الاحتقار أو الصراعات النفسية المستمرة بين والديه قد يحمل آثار هذه الخبرات معه إلى مراحل لاحقة من حياته، ويواجه صعوبة في بناء علاقات صحية ومتوازنة.
وتشير الدراسات الأسرية إلى أن العلاقة الزوجية السليمة لا تقوم على الحب وحده، بل على الاحترام المتبادل والشعور بالأمان والتقدير. وعندما يغيب الاحترام وتحل الإهانة محل الحوار، تبدأ العلاقة في فقدان قدرتها على النمو والاستمرار بشكل صحي.
ومن هنا تبرز أهمية نشر الوعي بأشكال العنف النفسي المختلفة، وتشجيع الأزواج على تعلم مهارات التواصل الإيجابي وإدارة الخلافات بطريقة تحافظ على كرامة الطرفين. فالكلمة قد تكون وسيلة للبناء والدعم، وقد تتحول إلى أداة للهدم والإيذاء إذا أسيء استخدامها.
إن حماية الأسرة لا تقتصر على مواجهة العنف الجسدي فحسب، بل تشمل أيضًا التصدي لكل أشكال الإيذاء النفسي التي تهدد استقرار العلاقات الزوجية وتؤثر في صحة أفراد الأسرة النفسية والاجتماعية. فأسرة يسودها الاحترام والحوار هي أساس مجتمع أكثر تماسكًا وأمانًا.
