حوار أحمد سالم
في عالمٍ تستهلك الخيارات الافتراضية والشاشات جُلّ وقته وطاقته، يبرز العمل التطوعي كالمساحة الحقيقية الوحيدة التي يكتشف فيها الإنسان ذاته وقدراته الكامنة على الأرض؛ فالميدان الإنساني وحده هو ما يمنح المرء القيمة والأثر الحقيقي الذي يبقى، ويجعله يزهر ويمنحه السلام الداخلي.
من هذا المنطلق، وبإيمانٍ راسخ بأن الروح لا تستمد توهجها من الظروف الخارجية بل من الإيمان الداخلي بالرسالة، تخوض الأستاذة عايدة مسيرتها الإنسانية، وعياً ينمو مع كل تعامل مع طفل عادي أو يتيم أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، ومع كل انكسار رأته في عيون الآخرين، أدركت أن الكلمة الطيبة واللمسة الحانية ليست مجرد نافلة بل واجب إنساني وأخلاقي. في هذا الحوار الراقي، تأخذنا في رحلة عبر تفاصيل العمل التطوعي في فلسطين بخصوصيته الشديدة التي تجعله فعل صمود وبناء للإنسان من الداخل، وترميم للأثر النفسي، وتكشف لنا كيف يعيد التطوع صياغة الروح بالكامل، ليجردها من التمسك بالقشور ويجعلها أكثر تركيزاً على الجوهر والعمق الإنساني.

أستاذة عايدة، لكل ناشط في العمل الإنساني لحظة فارقة أو موقف شكّل نقطة التحول ليدخل هذا الطريق ما الذي دفعكِ تحديداً لاختيار العمل التطوعي والتركيز عليه؟
اللحظة الفارقة ونقطة التحول لم تكن هناك لحظة واحدة معزولة بل كان وعياً ينمو مع كل تعامل مع طفل عادي او يتيم أو ذوي الاحتياجات الخاصة ومع كل انكسار رأيتُه في عيون الآخرين، اللحظة الفارقة هي حين تدرك أن الكلمة الطيبة واللمسة الحانية ليست مجرد نافلة، بل هي واجب إنساني وأخلاقي، الدافع الحقيقي كان الرغبة في ترك أثر حقيقي، وفي صياغة واقع يتجاوز المظاهر والزيف، ليركز على الجوهر الإنساني النقي، فالإنسان لا يكتمل إلا بمدى ما يقدمه لغيره.
العمل التطوعي يتطلب شغفاً واستمرارية؛ كيف تولدت لديكِ هذه الروح، وكيف حافظتِ على توهجها رغم الصعوبات؟
سر الشغف والاستمرارية رغم الصعوبات، الروح لا تستمد توهجها من الظروف الخارجية، بل من الإيمان الداخلي بالرسالة، ما يحافظ على هذا التوهج هو جبر الخواطر اليسى جبر الخواطر عبادة .فعندما ترى ابتسامة ترتسم على وجه طفل بعد اي نشاط أو فعاليات تشعر بامتنان صادق في قلب أم، يتلاشى التعب فوراً، الاستمرارية تنبع من إدراكنا أن الصعوبات جزء من الطريق، وأن دورنا هو أن نكون الشمعة التي تضيء وسط الظلام، لا أن نلعن الظلمة التعامل مع الاطفال من ارقى التعاملات.

العمل التطوعي في فلسطين له خصوصية شديدة وفريدة تختلف عن أي مكان آخر في العالم. كيف تؤثر هذه الخصوصية والتحديات اليومية على طبيعة المشاريع التطوعية التي تقودينها؟
الخصوصية هنا تكمن في أننا لا نتعامل مع ظروف طبيعية، بل مع واقع مركب يفرض تحديات نفسية واجتماعية يومية ومفاجئة على الأطفال والعائلات، لذلك، العمل التطوعي في فلسطين ليس مجرد ‘سد فجوة مادية’، بل هو فعل صمود وبناء للإنسان من الداخل، عندما نطلق مشروعاً أو فعاليات للاطفال أو مخيماً صيفياً، فإننا لا نهدف فقط لشغل وقت الفراغ، بل نسعى لترميم الأثر النفسي وتوجيه الانفعالات، وتعزيز قيم الانتماء والجبر النفسي لدى جيل يحتاج لكل ذرة دعم ليواجه المستقبل بثبات.
ما هي أبرز العقبات التي واجهتكِ كإمرأة ناشطة في هذا المجال، وكيف تمكنتِ من تجاوزها أو تحويلها إلى قوة دافعة؟
في الواقع، لا توجد عوائق جوهرية تمنعنا من العطاء، فالإرادة دائماً موجودة، لكن إذا أردنا الحديث عن التحديات الحقيقية على الأرض، فهي تتلخص في جانبين: الأول هو شح الموارد والمواد اللازمة لتنفيذ الأنشطة أحياناً، والثاني هو ثقافة التطوع نفسها؛ فالفكرة لست واردة لدى قطاع عريض من المجتمع، إذ لا يزال البعض يتساءل بإنكار: ‘لماذا أقدم جهداً ووصفاً دون مردود مالي؟’ وهذا يعكس حاجة المجتمع لتعميق مفهوم العطاء كقيمة إنسانية بحد ذاتها، بعيداً عن الحسابات المادية المباشرة.
إذا أردنا الحديث عن لغة الأرقام والواقع؛ ما هو المشروع أو المبادرة التطوعية الأقرب إلى قلبكِ، والتي شعرتِ أن أثرها غيّر حياة الناس بشكل حقيقي؟

الأقرب إلى قلبي بمنأى عن لغة الأرقام الجافة، فإن المبادرة الأقرب إلى قلبي عديدة تعاملت مع ذوي الاحتياجات الخاصة مع الأيتام مع الاطفال والمدارس ولكن اكتر شي هي برامج الدعم النفسي والتربوي المتكاملة للأطفال التي نفذناها مؤخراً من خلال قصص تفاعلية، وألعاب هادفة لتعليم تنظيم الانفعالات، رأينا تحولاً حقيقياً في سلوك الأطفال وبناء قيمهم، الأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد المستفيدين فقط، بل بـعمق التغيير الذي يطرأ على سلوك طفل واحد ويعيد صياغة نظرته للحياة ولنفسه.
كيف غيّر التطوع شخصيتي كإنسانة؟
التطوع يعيد صياغة الروح بالكامل لقد جرّدني من التمسك بالقشور ولا ازرع ثقتي بسرعه باي شخص وجعلني أكثر تركيزاً على الجوهر والعمق الإنساني، علمني التطوع الصبر، والامتنان للنعم الصغيرة حب الذات وعمق التواضع أمام تضحيات الآخرين، أصبحتُ أكثر حزماً في حماية وقتي وطاقتي مما هو زائف أو عديم القيمة، وفي المقابل أكثر انفتاحاً وعطاءً لكل ما هو حقيقي وصادق، تكوين معارف تحبذ التطوع عملت مع فريق يشبهني بالعطاء كل الشكر لهم.
كيف ترين إقبال الجيل الجديد من الشباب والفتيات على العمل التطوعي اليوم؟ وما هي الرسالة أو النصيحة التي توجّهينها لمن يريد دخول هذا المجال لكنه يتردد؟
رسالتي للجيل الجديد الذي تستهلك التكنولوجيا والبرامج الافتراضية معظم وقته وطاقته : لا تجعلوا الشاشات تعزلكم عن واقعكم، العمل التطوعي هو المساحة الحقيقية التي ستكتشفون فيها ذواتكم وقدراتكم الكامنة على الأرض؛ فالعالم الافتراضي قد يمنحكم التسلية لكن الميدان الإنساني وحده هو ما يمنحكم القيمة والأثر الحقيقي الذي يبقى، العمل التطوعي يجعلك تزهر ويمنحك السلام الداخلي.

ختاماً، ما هو الحلم الأكبر الذي تسعى الأستاذة عايدة لتحقيقه من خلال مسيرتها التطوعية في الفترة القادمة؟
حلمي الأكبر على الصعيد العالمي هو مأسسة هذه البرامج التربوية والنفسية وتوسيع نطاقها لتصبح منهجاً مستداماً، متاحاً لكل طفل يحتاج إلى الدعم، وبناء مراكز متخصصة تجمع بين التعليم، وغرس القيم، والدعم النفسي بطرق مبتكرة وحديثة. أسعى لأن نترك خلفنا جيلاً واثقاً، متصالحاً مع ذاته، وقادراً على قيادة مجتمعه نحو مستقبل أفضل أما الشخصيه وخاصه في بلدتي بناء مركز كبير يحتضن الاطفال من جميع الفئات أكبر من الذي موجود حاليًا.
وفي الختام أود أن أتوجه بخالص الشكر والامتنان لك على هذا اللقاء الممتع والمميز، أسئلتك كانت ذكية جداً وملامسة للواقع، وفتحت مساحة حقيقية لنتحدث عن تحديات التطوع وثقافته وأثره في المجتمع وفي نفوس الأطفال، شكراً لأنك منحت العمل التطوعي والإنساني هذا الوقت وهذه المساحة من قلمك وفكرك، وسعيدة جداً بهذا الحوار الصادق والراقي.
