بقلم: د. رشا ربيع الجزار ،الباحثة الأكاديمية في فلسفة التربية – كلية التربية – جامعة الفيوم
يشهد العالم اليوم تحولًا جذريًا في نظرته إلى الموارد الطبيعية، بعد أن أثبتت الأزمات البيئية والتغيرات المناخية أن نموذج التنمية التقليدي القائم على “الاستخراج، والاستهلاك،
ثم التخلص من النفايات” لم يعد قادرًا على تلبية احتياجات الحاضر، فضلًا عن ضمان حقوق الأجيال القادمة.
ومن هنا برز مفهوم الاقتصاد الدائري بوصفه أحد أهم النماذج الاقتصادية التي تتبناها الدول والمؤسسات الدولية لتحقيق التنمية المستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية.
فالاقتصاد الدائري لا يقوم على إنتاج المزيد واستهلاك المزيد، بل على تعظيم الاستفادة من الموارد من خلال إعادة الاستخدام، والإصلاح، وإعادة التصنيع، والتدوير، وإطالة عمر المنتجات، بحيث تتحول النفايات إلى موارد، وتصبح الاستدامة جزءًا من دورة الإنتاج والحياة.
ولم يعد هذا التحول خيارًا بيئيًا فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية.
فمع تزايد الضغوط على الموارد الطبيعية، وارتفاع تكلفة المواد الخام، وتسارع آثار التغيرات المناخية
تتجه الحكومات والشركات إلى تبني نماذج إنتاج واستهلاك أكثر كفاءة، وهو ما يخلق وظائف جديدة، ويعيد تشكيل المهارات المطلوبة في سوق العمل.
غير أن السؤال الأكثر أهمية هو: هل يواكب التعليم هذا التحول العالمي؟
إن بناء اقتصاد دائري لا يبدأ في المصانع أو الشركات، بل يبدأ في المدرسة والجامعة، حيث تتشكل طريقة تفكير الإنسان تجاه الموارد والبيئة والاستهلاك.
فالطالب الذي يتعلم منذ الصغر قيمة الإصلاح قبل الاستبدال، وإعادة الاستخدام قبل التخلص، وترشيد الاستهلاك قبل الإسراف، سيكون أكثر قدرة على قيادة اقتصاد مستدام في المستقبل.
ومن هنا، فإن فلسفة التربية مطالبة بإعادة النظر في أهدافها. فلم يعد الهدف نقل المعرفة فقط، بل بناء مواطن يدرك أن الموارد ليست بلا حدود،
وأن الاستدامة ليست شعارًا، بل أسلوب حياة ومسؤولية مشتركة. وهذا يتطلب دمج مفاهيم الاقتصاد الدائري في المناهج الدراسية، ليس كمعلومات نظرية، وإنما كممارسات يومية وأنشطة تعليمية ومشروعات تطبيقية.

ولم تعد مهارات المستقبل تقتصر على الإبداع والتفكير النقدي، بل أصبحت تشمل القدرة على تصميم حلول تقلل الفاقد، وإدارة الموارد بكفاءة،
والابتكار في إعادة الاستخدام، والعمل وفق مبادئ الاقتصاد الأخضر. وهي مهارات تتطلب من المؤسسات التعليمية أن تنتقل من ثقافة التلقين إلى ثقافة الابتكار وحل المشكلات.
كما أن كليات التربية تتحمل مسؤولية خاصة في هذا التحول، لأنها تُعد معلم المستقبل
فالمعلم القادر على غرس قيم الاستدامة، وربط المعرفة بالمشكلات البيئية والاقتصادية، سيكون شريكًا حقيقيًا في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
إن التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي استثمرت في نشر ثقافة الاقتصاد الدائري داخل المدارس والجامعات نجحت في بناء أجيال أكثر وعيًا بالمسؤولية البيئية، وأكثر استعدادًا للمشاركة في الاقتصاد الأخضر.
وهذا يؤكد أن التعليم لم يعد مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل أصبح محركًا رئيسًا للتحول الاقتصادي والاجتماعي.
وفي ظل ما يشهده العالم من تغيرات مناخية متسارعة، لم يعد مقبولًا أن تظل مناهجنا التعليمية أسيرة نموذج اقتصادي تجاوزته التحديات.
فالمطلوب اليوم هو تعليم يُنمّي ثقافة الحفاظ على الموارد، ويُعزز الابتكار، ويُعد المتعلم للمشاركة في اقتصاد يقوم على الكفاءة والاستدامة، لا على الهدر والاستهلاك المفرط.
إن الاقتصاد الدائري ليس مجرد نموذج اقتصادي جديد، بل هو فلسفة تنموية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والموارد والطبيعة.
وإذا كانت الدول تسعى إلى بناء اقتصادات أكثر مرونة واستدامة، فإن البداية الحقيقية لا تكون من خطوط الإنتاج، بل من قاعات الدراسة، حيث تُصنع العقول التي ستقود هذا التحول.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كيف نُعيد تدوير النفايات؟ بل: كيف نُعيد بناء التعليم ليُخرِّج جيلاً يفكر بعقلية الاقتصاد الدائري؟
فالتحدي الحقيقي ليس في إدارة الموارد فقط، بل في إعداد إنسان يدرك أن مستقبل التنمية يبدأ من حسن إدارة ما نملك، لا من البحث الدائم عما نستهلكه.
