حوار محمد أكسم
منذ ظهورها الأول على شاشة الفضائية المصرية، لفتت الأنظار بحضورها الأنيق، وصوتها الهادئ، وأسلوبها الراقي في إدارة الحوار, لم تكن من المذيعات اللاتي يعتمدن على الأسئلة التقليدية أو الإثارة العابرة، بل آمنت دائمًا بأن الحوار الحقيقي يبدأ بالإنصات، وأن احترام الضيف هو أول خطوة للوصول إلى إجابات صادقة, لذلك جاءت لقاءاتها متوازنة، عميقة، وثرية بالمعلومات، تعكس شخصية إعلامية تمتلك ثقافة واسعة، وإعدادًا دقيقًا، وقدرة لافتة على إدارة أصعب الحوارات باحتراف وثقة.
الإعلامية القديرة داليا فرج واحدة من الوجوه التي ارتبط اسمها بالهدوء والثقافة والاحتراف، واستطاعت على مدار سنوات طويلة أن تحجز لنفسها مكانة خاصة في قلوب الجمهور,تتميز داليا بذكاء مهني واضح يظهر في طريقة إدارة الحوار, فهي تعرف متى تمنح الضيف مساحة للكلام، ومتى تتدخل فى اللحظة المناسبة لتعيد مسار الحديث، وكيف تطرح السؤال المناسب في اللحظة المناسبة دون افتعال أو استعراض,إلى جانب خبرتها الطويلة، منحاها قدرة خاصة على استخراج أجمل ما بداخل الضيف من مشاعر، والكشف عن الجوانب الإنسانية, وعلى المستوى الإنساني، يلمس كل من يتعامل معها تواضعها و بساطتها ورقيها وحسن تعاملها, فهي صاحبة حضور مريح، وذوق رفيع، وأسلوب هادئ يترك أثراً طيباً في كل لقاء,تؤمن بأن الكلمة الطيبة لا تقل قيمة عن الخبر، وأن الاحترام هو اللغة التي يجب أن تجمع الإعلامي بضيوفه وجمهوره، ولذلك استطاعت أن تبني عبر سنوات طويلة رصيدًا من المحبة والاحترام لدى زملائها وكل من عرفها أو تابعها.
في البداية نرحب بالإعلامية داليا فرج أهلا بكم فى موقع جريدة المصور نيوز>
القارئ يتساءل: من هي داليا فرج بعيدًا عن شاشة التليفزيون؟
أنا إنسانة بسيطة جدًا، أحب أسرتي وأصدقائي، وأؤمن بأن النجاح الحقيقي يبدأ من البيت. أعشق القراءة والسفر، وأحاول دائمًا أن أتعلم شيئًا جديدًا، لأن المذيع لا يتوقف أبدًا عن التعلم.
متى شعرتِ لأول مرة أن الميكروفون والكاميرا هما المكان الذي يشبهك؟
منذ طفولتي، لأن والدي الدكتور أحمد فرج كان يعمل في التليفزيون، وكنت أعتبر التليفزيون بيتي الثاني, كنت أذهب دائمًا مع إخوتي لحضور تصوير الفوازير والمسلسلات, وكانت لعبتي المفضلة وأنا صغيرة أن أمسك الميكروفون وأتظاهر بأنني مذيعة، وأجلس شقيقى الفنان تامر فرج أمامي وأجري معه حوارًا.

ما الذي منحته لكِ الفضائية المصرية، وما الذي منحته لها طوال سنوات عملك؟
الفضائية المصرية منحتني الخبرة والقدرة على إدارة الحوار على الهواء مباشرة, وكنت محظوظة لأنني تتلمذت على يد أستاذتي ومعلمتي الإعلامية الكبيرة سناء منصور، التي تعلمت منها الكثير, وأتمنى أن أكون قد قدمت للفضائية صورة مشرفة من خلال عملي واحترامي للمهنة والجمهور.
هل ما زلتِ تتذكرين أول ظهور لكِ على الهواء؟ وكيف كانت تلك اللحظات؟
بالتأكيد, في البداية كنت أقوم بتغطية المؤتمرات والمهرجانات لمدة ثلاث سنوات قبل تقديم أي برنامج، وكان ذلك في فترة تولي الدكتورة درية شرف الدين المسؤولية, كانت تجربة مليئة بالحماس علمتني الكثير.
ما أصعب موقف واجهك أثناء تقديم برنامج مباشر؟ وكيف تعاملتِ معه؟
أصعب فترة في حياتي المهنية كانت أيام ثورة يناير، حيث كنت أقدم البرنامج الرئيسي للقناة, مررت بمواقف في منتهى الصعوبة، لأننا كنا نذهب إلى العمل أثناء الحظر والمظاهرات، وكان الأمر محفوفًا بالمخاطر، لكن إحساسنا بالمسؤولية كان أكبر من الخوف.
هل تؤمنين أن المذيع الناجح تصنعه ثقافته؟
بالتأكيد، وهذا ما تعلمناه من الأستاذة سناء منصور, رغم وجود معدي برامج، كانت تقول لنا دائمًا إن المذيع الشاطر هو الذي يعد لنفسه, لذلك لم أعتمد يومًا اعتمادًا كليًا على نص مكتوب من شخص آخر، بل كنت أبحث وأقرأ وأعرف كل تفاصيل الضيف، وأكتب مقدمتي بنفسي, كما كنت أخبر الضيف بالوقت المخصص له حتى لا يطيل أو يختصر بشكل يخل بالحوار، وإذا أطال كنت أستطيع إدارة الحوار وإنهاء الفكرة بشكل لائق دون أن أحرجه.
كيف ترين الإعلام المصري اليوم؟ وما أكثر ما يحتاج إليه ليستعيد بريقه؟
ليست المشكلة في الإعلام وحده، فالفوضى أصبحت موجودة في أشياء كثيرة, حتى المهرجانات ومنصات مثل “تيك توك” أصبحت تؤثر في الذوق العام، وأصبح الاعتماد الأكبر على السوشيال ميديا، وهذا ليس صحيحًا دائمًا، لأنه يبرز أحيانًا سلوكيات لا تشبه القيم التي تربينا عليها, الإعلام يحتاج إلى المهنية، والالتزام، والعودة إلى احترام عقل المشاهد.
هل تعتقدين أن المنافسة بين الإعلاميين أصبحت أصعب في عصر المنصات الرقمية؟
بالتأكيد أصبحت المنافسة أصعب، لأن سرعة انتشار المحتوى أصبحت كبيرة جدًا, لكنني ما زلت أؤمن بأن الإعلامي الحقيقي يفرض نفسه بالثقافة والمصداقية والاحترام، وليس بعدد المشاهدات فقط.
ما الشخصية التي تتمنين إجراء حوار معها ولم تتح لكِ الفرصة بعد؟
كنت أتمنى إجراء حوار مع الرئيس الراحل حسني مبارك، وما زلت أتمنى إجراء حوار مع الرئيس عبد الفتاح السيسي, كما أتمنى محاورة شخصيات كثيرة في مجالات مختلفة، لإظهار الجانب الإنساني لديها من خلال أسئلة مدروسة وعميقة.
كيف تحافظ داليا فرج على هدوئها أمام المواقف المفاجئة على الهواء؟
هذا شيء تعلمته مع الخبرة وسنوات العمل, الهدوء ضروري حتى نستطيع التفكير والإبداع، ونعرف كيف نتعامل مع المواقف المفاجئة، خاصة إذا كانت حرجة.
هل تستطيعين فصل مشاعرك عن عملك، أم أن بعض القصص تظل عالقة بقلبك؟
لابد أن أفصل بين مشاعري وعملي, أتذكر أن إحدى صديقاتي توفيت الى رحمة الله، وكان لدي في اليوم التالي حلقة إنسانية، واضطررت إلى تقديمها رغم حزني الشديد, هذه هي طبيعة المهنة.

هل تؤمنين أن الكلمة الطيبة قد تكون أحيانًا أهم من سبق صحفي؟
طبعًا، لأن الكلمة الطيبة قد تترك أثرًا في النفس لا يتركه أي سبق صحفي, الإعلام رسالة انسانية قبل أن يكون منافسة.
كيف ترين دور الإعلام في بناء وعي المجتمع؟
في الماضي كان للإعلام دور كبير جدًا في تشكيل وعي المجتمع، أما اليوم فنحن نحارب حالة من تراجع الذوق العام بسبب الكم الهائل من المحتوى غير المنضبط, لذلك أصبح الإعلام المسؤول أكثر أهمية من أي وقت مضى.
هل ما زالت بداخلك تلك الفتاة التي كانت تحلم بالمستقبل، أم أن الأيام غيّرتها؟
لم تعد أحلامي كما كانت، لكنني اليوم أحلم بمستقبل أفضل لبناتي، وأتمنى أن أراهن ناجحات وسعيدات.
أخبرينا… ما أكثر ذكرى تحتفظين بها في قلبك ولا يسرقها الزمن؟
الأيام الجميلة مع أسرتي، ووالدي ووالدتي وإخوتي، وارتباطي بوالد بناتي، وذكرياتي في الفضائية المصرية، ومع أستاذتي سناء منصور. كانت تلك الفترة من أجمل فترات عمري، مليئة بالصدق والمحبة والطاقة والأمل.
هل تغيرت أحلام داليا فرج مع مرور السنوات؟
بالتأكيد. الخبرة والمواقف التي مررت بها جعلتني أنظر إلى الحياة بواقعية أكبر، لكنني طوال عمري كانت أحلامي بسيطة، وما زالت كذلك.
ما أكثر كلمة قالها لكِ والدك أو والدتك وما زالت عالقة في ذهنك ووجدانك حتى الآن؟
أنا أشبه والدي في صفات كثيرة، مثل النظام والطموح، وتحديد الهدف، والإصرار على تحقيقه، وقوة الشخصية. أما والدتي فقد ورثت عنها الطيبة والأمومة والحنان، وما زالت نصائحهما ترافقني في كل خطوة.
كيف تصفين علاقتك بجمهورك؟
الحمد لله، علاقتي بجمهوري قائمة على الاحترام والمحبة المتبادلة، وهذا أكبر مكسب حققته في مشواري.
كلمة توجهينها لكل متابعيك وللأجيال الجديدة؟
أقول للأجيال القادمة: الله يكون في عونكم، فالحياة أصبحت أصعب، وفيها مغريات كثيرة. حاولوا بقدر استطاعتكم أن تتحلوا بالصبر، وأن تتمسكوا بالإيمان، وثقوا دائمًا أن الله معكم، وهو الحامي والحافظ
في نهاية الحوار نشكر الإعلامية القديرة داليا فرج على هذا الحوار الأكثر من رائع متمنين لها مزيد من النجاح والتألق.
وتبقى داليا فرج من الأسماء التي ارتبطت في ذاكرة المشاهد المصري بالإعلام الهادئ والمهني، وبالحوار الراقي الذي يقترب من الإنسان قبل العنوان، ومن الفكرة قبل الإثارة, وربما لهذا السبب، ظل حضورها محل تقدير واحترام، لأنها اختارت منذ البداية أن يكون رصيدها الحقيقي هو ثقة الجمهور ومحبة الناس.
