كان هناك وقت، لم يكن فيه اسم المصيف هو ما يمنح صاحبه المكانة، بل كانت المكانة تأتي من أسلوب الحياة نفسه.
في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، كانت العائلات المقتدرة تتجه إلى المنتزه، ثم المعمورة، والعجمي عندما بدأ يزدهر. كانت الفيلا البسيطة المطلة على البحر تكفي، وكانت الإجازة تعني الراحة، والهدوء، ولمّ شمل الأسرة.
كانت الأسرة تستيقظ مبكرًا لتنزل البحر، ثم تجتمع حول مائدة الغداء، ويقضي الجميع الأمسية في نزهة أو جلسة هادئة. لم يكن أحد يسأل: “إنت نازل في أنهي قرية؟” بل كان السؤال: “استمتعت بالمصيف؟”
لم يكن الهدف أن يرى الناس كيف تعيش… بل أن تعيش فعلًا.
وكانت العائلات التي ترتاد تلك المناطق، في أغلبها، تنتمي إلى ثقافة ترى أن الرقي يظهر في الذوق، والالتزام، واحترام الآخرين، والمحافظة على الخصوصية. كانت الملابس أنيقة بلا مبالغة، والمنافسة في الأخلاق قبل المظاهر.
أما اليوم، فقد انتقل جزء كبير من الطبقات الميسورة إلى الساحل الشمالي، الذي أصبح يضم بعضًا من أفخم المنتجعات والقرى السياحية في مصر. لكن مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تغيّر مفهوم المصيف عند شريحة من الناس.
أصبح اسم القرية أحيانًا أهم من البحر نفسه، والصورة أهم من اللحظة، وعدد المتابعين أهم من عدد الذكريات.
تحولت بعض الإجازات إلى استعراض للسيارات، والملابس، والحفلات، والمطاعم، وكأن قيمة المصيف أصبحت فيما يراه الآخرون، لا فيما يشعر به صاحبه.
ورغم ذلك، لا يمكن اختزال الساحل الشمالي في هذه الصورة؛ فما زالت آلاف الأسر تذهب إليه من أجل الراحة وقضاء الوقت مع أبنائها، تمامًا كما كانت الأسر تفعل قديمًا. لكن الفارق أن ثقافة الاستعراض أصبحت أكثر حضورًا بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، بينما كانت ثقافة الخصوصية هي السائدة في مصايف الماضي.
الحقيقة أن المنتزه، والمعمورة، والعجمي، لم تكن راقية بسبب أسماء شواطئها فقط، بل لأن الثقافة العامة وقتها كانت ترى أن الرقي سلوك قبل أن يكون عنوانًا.
واليوم، قد نجد هذا الرقي في أسرة تجلس على شاطئ عام، وقد نفتقده داخل أفخم قرية في الساحل.
فالزمن لم يغيّر البحر… لكنه غيّر نظرة بعض الناس إلى معنى المصيف.
