لم يكن فجر الأمس كغيره من الليالي. ففي تمام الساعة الثالثة صباحًا، استفاق ملايين المصريين على اهتزاز الأرض تحت أقدامهم، بعدما ضرب زلزال بلغت قوته 5.5 درجة على مقياس ريختر، وشعر به سكان القاهرة الكبرى وعدد كبير من المحافظات. لحظات قصيرة، لكنها كانت كافية لتبدد هدوء الليل، وتزرع في القلوب شعورًا بأن كل شيء يمكن أن يتغير في طرفة عين.
لم تستمر الهزة سوى ثوانٍ، لكنها حملت رسالة عميقة لكل من شعر بها. ففي تلك اللحظات لم تعد هناك فوارق بين غني وفقير، أو صاحب منصب ومواطن بسيط، أو قوي وضعيف. الجميع عاش الشعور نفسه، والجميع أدرك أن الإنسان، مهما امتلك من أسباب القوة والتكنولوجيا والعلم، يبقى عاجزًا أمام قدرة الله سبحانه وتعالى.
فالإنسان يبني ناطحات السحاب، ويخترق الفضاء، ويبتكر أعظم وسائل التكنولوجيا، لكنه لا يستطيع أن يمنع الأرض من أن تهتز للحظات. لحظات كشفت مدى ضعف البشر أمام قدرة الخالق، وأكدت أن القوة المطلقة لله وحده، وأن ما يملكه الإنسان مهما عظم يظل محدودًا أمام إرادة الله.
هذه الهزة لم تكن مجرد ظاهرة جيولوجية، بل كانت فرصة للتأمل ومراجعة النفس. فقد أيقظت كثيرين من نومهم، وربما أيقظت في قلوبهم معاني غابت وسط زحام الحياة، حيث الانشغال بالعمل والمال والمنافسة، حتى ينسى الإنسان أنه يعيش بفضل نعمة الأمن التي يمنحها الله له كل يوم.
كم من شخص نام وهو يخطط للغد، ليستيقظ على اهتزاز الأرض؟ وكم من إنسان ظن أن حياته تسير وفق ما رسمه، فاكتشف أن كل شيء قد يتبدل في لحظة لا تتجاوز ثوانٍ؟ إنها لحظات تذكرنا بأن العمر بيد الله، وأن الإنسان لا يملك من أمره إلا أن يأخذ بالأسباب، ثم يتوكل على خالقه.
ورغم أن الزلزال انتهى سريعًا، فإن أثره بقي حاضرًا في النفوس. امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بروايات المواطنين عن لحظات الفزع، وتبادل كثيرون الاتصالات للاطمئنان على ذويهم، في مشهد يؤكد أن الإنسان لا يشعر بقيمة نعمة الطمأنينة إلا عندما يفقدها، ولو لثوانٍ معدودة.
ومع الإيمان بأن الزلازل ظواهر طبيعية لها أسبابها العلمية، فإن المؤمن يستحضر في مثل هذه الأحداث عظمة الله وقدرته، فيزداد شكرًا واستغفارًا، ويتمسك بالأمل، ويحرص في الوقت نفسه على الأخذ بأسباب السلامة والاستعداد لمواجهة الطوارئ.
لقد هز زلزال الفجر الأرض لثوانٍ، لكنه هز القلوب بمعانٍ قد تبقى سنوات. ذكرنا بأن الدنيا مهما بدت مستقرة، فإنها قد تتغير في لحظة، وأن الإنسان مهما بلغ من قوة، سيظل عبدًا ضعيفًا أمام قدرة الله عز وجل.
فلنشكر الله على نعمة الأمن التي نعيشها، ولنغتنم أعمارنا فيما ينفع، ولنجعل من كل حدث يمر بنا فرصة لمراجعة أنفسنا، فالحياة أقصر مما نظن، واليقين بالله هو الثبات الحقيقي عندما تهتز الأرض ومن عليها.
