بقلم: محمد أكسم – مصر
لم يكن يعرف اسمها، ولم تكن تعرف اسمه, كانا يلتقيان كل ليلة خلف اسمين مستعارين، هو يترك كلماته على الشاشة، فتأتي هي بجملة قصيرة تفتح في النص نافذة لم يرها من قبل
, لم يعرف أيهما بدأ أولًا، لكنهما، دون أن ينتبها، تحولا من قارئين عابرين إلى شخصين ينتظر كل منهما أن يكتب الآخر,اختار لنفسه اسمًا لا يكشف صاحبه، واختارت هي اسمًا يشبهها أكثر.
أما هو، فكان الحبر,كانت تعلق على مقالاته دائمًا، لا تمدحه ولا تهاجمه، بل تفهمه,كتبت له ذات ليلة “أنت لا تكتب عن الناس، أنت تحاول أن تعتذر لهم” ظل ينظر إلى الجملة طويلًا، ثم كتب:
“وهل الاعتذار تهمة؟”
أجابته
“لا..لكن اعتراف”
ومنذ تلك الليلة بدأت الحكاية, تحولت التعليقات إلى رسائل، والرسائل إلى انتظار, صار يفتح المنصة قبل أن يفتح بريده، ويغضب إذا تأخرت عن موعدها المعتاد, لم يسم ما يحدث حبًا, كانت الكلمة أكبر من أن يكتبها رجل خلف اسم مستعار
قال لها ذات ليلة:
أريد أن أراك””
ترددت، ثم وافقت
اتفقا على مقهى هادئ, وصل قبلها بنصف ساعة، ووضع الكتاب الذي وعدها أن يعطيها إياه على الطاولة، ثم جلس ينتظر, لم يكن يعرف أنها كانت هناك بالفعل، داخل سيارة متوقفة على الجانب الآخر من الشارع، وقلبها يخفق بقلق لم تعرف كيف تخفيه, طوال الشهور الماضية كان الرجل الذي أحبته مجرد كلمات مضيئة على شاشة؛ صوتاً تتخيله، وحضوراً تصنعه من جملة، ووجهاً لم تره قط, أما الآن، فقد صار يجلس على بعد أمتار منها، رجلاً حقيقياً له ملامح.
شعرت فجأة أن المسافة الآمنة التي صنعتها الشاشة قد اختفت
ماذا لو اصطدمت بالصورة التي رسمتها له في خيالها بحقيقته؟
ماذا لو كان أجمل في الكلمات من الواقع؟
وماذا لو اكتشفت أن الرجل الذي تعلقت به خلف الشاشة ليس هو الرجل الذي ستجلس أمامه؟
وضعت يدها على مقبض الباب، ثم تراجعت, كان يمكنها أن تدخل، لكنها خافت أن تخرج الحكاية من الشاشة إلى الواقع، وأن يصبح ما أحبته رجل يمكن أن تراه وتلمسه ويخيبها أو تخيب ظنه فيها, طلبت من السائق أن يعود بها إلى المنزل.
وظل هو في المقهى، ينتظر امرأة لم يعرف أنها كانت أقرب إليه مما ظن
في صباح اليوم التالي، كان اجتماع المؤسسة يدور حول مقاله الأخير قالت إحدى الكاتبات
“مقالك عاطفي أكثر مما ينبغي”
رفع عينيه إليها
كان صوتها مألوفاً على نحو أزعجه
ثم قالت
“العقل أحياناً يكون أكثر أماناً من الشعور”
تجمد لحظة
كانت الجملة تشبه تعليقاً قرأه قبل ساعات من الورقة, لكنه أقنع نفسه أن التشابه لا يعني شيئاً
منذ ذلك اليوم، صار الصباح مساحة للخصومة، والليل مساحة أخرى للحب
في المؤسسة كانا يختلفان على كل شيء, وعلى المنصة كان كل منهما يبحث عن الآخر قبل أن يبحث عن أي نص جديد..
هى تكتب:
“اليوم تشاجرت مع زميل مستفز جدًا”
فيجيب
“وأنا نفس الشئ “
قرأت الجملة، وضحكت, ولم يعرف أي منهما أن الشخص الذي يشكو منه يجلس في الجهة الأخرى من المبنى..
تسأله
“هل هي ذكية؟”
يجيب
“للأسف”
ثم يبتسم كل منهما أمام شاشته، دون أن يعرف أنه يتحدث عن الشخص نفسه, مرت أسابيع، وكبر الحب, ثم اتفقا على لقاء جديد, هذه المرة بلا أعذار.
دخل الكافية, دخلت هي, تلاقت عيناهما بدهشة
قالت
أنت الحبر؟””
قال
“وأنت الورقة؟”
ضحكا
ثم جلسا طويلًا
قالت
“الغريب أنني كنت أكرهك في العمل”
قال
“وأنا كنت أراك أكثر امرأة مستفزة فى العالم”
ثم صمت
قالت
“ومع ذلك أحببتني”
ابتسم
لأنني لم أعرف أنك أنت””
لم تكن هناك شاشة تحميهما، ولا اسم مستعار يمكن الاختباء خلفه, تعلما أن يختلفا وجهًا لوجه، وأن يصمتا وجهًا لوجه، وأن يكتشف كل منهما أن الآخر أكثر تعقيدًا من الصورة التي صنعها في مخيلته
بعد رحيلها عن المؤسسة، استمرت لقاءاتهما, كانت تريد أن تعرف إلى أين تمضي علاقتهما,مستقبلًا يمكن تسميته, أما هو، فكان يرى أمامه مسؤوليات لا يستطيع أن يطلب منها أن تحملها معه.
في إحدى الليالي تشاجر قالت له وهي غاضبة
“أنا مش بطلب منك المستحيل.. أنا بس عايزة أعرف أنا فين في حياتك”
نظر إليها طويلًا,لم يقل شيئًا, خرجت وهي تنتظر أن يلحق بها
بقي مكانه وهو ينتظر أن تعود, لم يتحرك أحدهما,
وكان ذلك كافيًا.
في اليوم التالي أرسلت له
“أنت فين؟”
قرأ الرسالة
كتب
“ممكن نتكلم؟”
ثم مسحها
كتب
“أنا مش عايز أخسرك”
ومسحها أيضًا, كان يقول لنفسه هي طلبت مني ألا أتواصل معها, سأحترم رغبتها, أما هي فكانت تنتظر منه مكالمة واحدة, كانت تقول لو كان يحبني فعلًا، سيأتي ,مر أسبوع, ثم شهر, لم يتصل,ولم تتصل, لم يكن أحدهما يريد الرحيل, لكن كليهما كان ينتظر أن يكون الآخر هو من يعود أولًا.
بعد أسابيع، حاول الوصول إليها مرة أخرى. لم تجب. حاول مرة ثانية، ثم توقف. لم يكن يعرف إن كانت لا تريد الحديث معه، أم أنها تنتظر منه أن يحاول أكثر. ومع الوقت أقنع نفسه أنها اختارت أن تنهي كل شيء.
بعد سبع سنوات, رأت أسمه مطبوعًا على غلاف رواية في معرض الكتاب فتحت الصفحة الأولى, وجدت إهداءً,إلى امرأة لم تعرف يومًا أنها كانت أجمل ما كتبت.
ارتجف قلبها, بحثت عنه, وجدته أمامها, أصبح روائيًا كبيرًا,يوقع للقراء , اقتربت وقالت:
“ليه ما حاولتش تتصل بيا؟”
قال:
“حاولت”
“وأنا استنيتك”
نظر إليها طويلًا
“وأنا أيضاً”
صمتا
ثم قال:
كنت فاكر إنك مش عايزاني””
أجابته
“وأنا كنت فاكره إنك مش عايزني”
كان سبع سنوات من الصمت قد اختصرها سوء فهم واحد, فتحت المحادثة القديمة. كانت تعرف الرسالة، وتعرف أنها قرأتها يومها، لكنها لم تعد إليها منذ سنوات. ظلت تمرر الشاشة ببطء حتى وصلت إليها.
“أنا لم أتوقف عن حبك “
…………………………
وتحتها ظهر التاريخ القديم
“تمت القراءة منذ سبع سنوات”
………………………..
ظل إصبعها ساكناً فوق الشاشة, لم يكن الجديد أنها قرأت الرسالة, كانت تعرف ذلك, الجديد أنها، بعد سبع سنوات، أدركت للمرة الأولى كم كان قريباً منها في ذلك اليوم.. وكم كان صمتها قادراً على أن يبدو له جواباً
