تصريحات ياسر جلال… التاريخ والهوية والردّ

إعداد: مريم مصطفى
خرج الفنان المصري ياسر جلال بتصريحات خلال حضوره فعالية مهرجان «وهران السينمائي» في الجزائر، أثارت ردود فعل غاضبة في مصر والجزائر على حد سواء، إذ أفاد بأن الجزائر أرسلت «قوات صاعقة» إلى ميدان التحرير في مصر بعد حرب 1967 لحماية المواطنين المصريين، وهو ما دفع إلى توجيه اتهامات له بـ«تزييف التاريخ» وإحراج للدولة المصرية.
في هذا التقرير نعرض سياق الأزمة، مضمون التصريحات، ردود الفعل، وأبعاد القضية على الصعيد الوطني والعربي.
1. مضمون التصريح
في كلمته خلال التكريم في الجزائر، قال ياسر جلال إنه تربّى على حب الجزائر، وإن والده – المخرج جلال توفيق – كان يحكي له عن سوريا والجزائر، وأضاف أنّه سمع أن «بعد حرب 67، كان في إشاعة إن إسرائيل هتعمل إنزال في ميدان التحرير، فالجزائر بعتت جنود صاعقة جزائريين، بقوا ماشيين في ميدان التحرير … عشان يحموا المواطنين، الستات والرجالة المصريين».
هذا التصريح أشعل موجة جدل كبيرة، خصوصًا أنه استند إلى «إشاعة» حسب كلامه، وليس إلى مصدر رسمي أو أرشيفي معروف.
2. ردود الفعل المصرية
ردّت أوساط مصرية رسمية وشعبية على الكلام كالتالي:
الفنان يُتهم بتقديم «مغالطة تاريخية كبرى» – كما وصفه النائب محمود بدر – إذ قال إن الجزائر لم ترسل قوات لحماية ميدان التحرير بعد 67، وأنه «لا يليق أن يخرج فنان مصري وطني بهذا الكلام».
الكاتب الصحفي راجى عامر وصف التصريح بأنه «كذبة تاريخية وقحة»، مطالبًا الفنانين بأن يكونوا أكثر حرصًا عند الإدلاء بتصريحات تتعلق بتاريخ البلد.
المنتج محمد العدل شن هجومًا على ثقافة الفنانين عامة، مشيرًا إلى أن الأمر لا يخص جلال فقط، بل ما أسماه «أزمة في ثقافة فنانين هذا الزمن».
جلال نفسه اضطر إلى إصدار فيديو للردّ، معلّقًا بأنّه يفتخر بأنه أحد أبناء القوات المسلحة المصرية، وأن دوره في الأعمال الوطنية مثل «الاختيار» و«يوم الكرامة» يعكس تقديره لدور مصر في خدمة الأشقاء العرب.
كما قال: «الدول العربية والجزائر أرسلت قوات رمزية لمصر بعد حرب 1967… هذا أمر معروف ولا أحد ينكره».
3. البعد التاريخي والدلالات
علاقات مصر والجزائر لها تاريخ طويل من التضامن العربي، سواء فيما يتعلق بحرب الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي أو دعم مصر للقضية الجزائرية، أو تعاون البلدين في إطار العمل العربي المشترك.
أيّ تصريح يمسّ هذا الارتباط التاريخي قد يُفسّره البعض كمساس بـ«القوة الناعمة» لمصر أو بذاكرةٍ عربية مشتركة.
ومن جهة أخرى، ما ورد في تصريحات جلال غير مدعّم بمصادر أرشيفية واضحة، وهو ما دفع إلى وصفها بأنها «مغالطة تاريخية».
تأتي هذه الأزمة في وقت حساس تُناقش فيه العلاقات العربية، المعلومات التاريخية، ودور الفنّانين في التعبير عن الهوية الوطنية.
وجود فنان مثل ياسر جلال – الذي يُعدّ واجهة من واجهات القوة الناعمة المصرية – في هذا الوضع يجعل من الأمر أكثر حساسية.
4. تحليل الأزمة وما تعنيه
لماذا أثارت الجدل؟ لأن التصريح تناول تاريخًا عسكريًا – حادثة ما بعد حرب 1967 – وهي فترة تحمل حساسية كبيرة في الذاكرة المصرية.
و ذكر أن الجزائر “أرسلت قوات صاعقة” إلى ميدان التحرير يُعدّ إدعاء قويًا، وإذا لم يكن مدعوماً فإنه يُعدّ تلاعبًا بالذاكرة الوطنية.
ماذا يحاول قوله الفنان؟ حاول جلال أن يعبر عن محبّته للجزائر، وعن فكرة التضامن العربي، لكن الطريقة التي عرض بها المعلومة – باعتبارها خبرًا تاريخيًا – جعلته في موضع المحاسبة.
ما الأخطاء التي ارتكبها؟ ربما:
عدم التأكد من صحة المعلومة قبل تصريحاتها علنًا.
استخدام عبارة «أرسلت جنود صاعقة… يمشون في ميدان التحرير» – وهي وصف مثير للنقاش ولا يوجد مصدر مؤكد يدعمه.
ربط التصريح بدولة الشقيقة الجزائر بطريقة تبدو كما لو أن مصر كانت “تحتاج حماية” من بلد آخر، مما أزعج الشعور الوطني المصري.
ما الذي يمكن تعلمه؟ أن الفنّانين – خصوصًا وأنهم يشكّلون جزءًا من «الهوية الوطنية» – يجب أن يكونوا حذرين عند الإدلاء بتصريحات تاريخية أو تتعلق بالسيادة أو بعلاقات الدول العربية، وأن يتحققوا من المصادر، أو يصيغوا كلامهم بصيغة رأي لا وصْف مؤكّد.
5. مراقبة ما بعد الأزمة
من المتوقع أن تتابع وسائل الإعلام المصرية ردود فعل من الجزائر إذا تودّدت إليها تصريحات جلال أو تمّ تناولها هناك.
ربما تدعو بعض المؤسسات الفنيّة أو الإعلاميّة إلى تنظيم «دورات تثقيفية» للفنّانين – كما اقترح المنتج محمد العدل – لتعزيز الوعي الثقافي والتاريخي.
قد تؤثر هذه القضية على حوارات أكبر حول «دور الفنّان في السياسة والتاريخ» و«المسؤولية الإعلامية للفنّان».
في موقف يُذكّر بأهمية الالتزام بالدقة في التصريحات العامّة، أضاف ياسر جلال نفسه إلى دائرة الجدل بسبب حديثه عن دور للجزائر بعد حرب 1967 في ميدان التحرير، وهو ما قابَلته ردود فعل قوية باعتباره «إساءة إلى ذاكرة الشعب المصري».
ما بدأ كمحاولة لتجسيد روابط أخوية عربية انتهى باهتمام لماهية ما ينطوي عليه الحديث عن التاريخ والهوية الوطنية.
إنّ الموقف يطرح سؤالًا أكبر: إلى أيّ حد يمكن للفنّان أن يتقمّص دور المُعلِّم أو المؤرخ عندما يتحدّث عن وقائع تاريخية؟ والأهم: كيف يمكن أن يتجنّب أن يصبح وقع الكلام أكبر من مقصوده؟




