في الأوقات التي تتراجع فيها مساحات العمل السياسي المباشر أو تتفاقم فيها حالة الاستقطاب ، يقع الكثير من المهمومين بالشأن العام في فخ الشعور بالعجز .
و كأن التغيير و الترميم المجتمعي يتطلبان بالضرورة مواجهة و منافسة على السلطة ، و بدلاً من البحث عن حلول تضمن نجاة مجتمعية للجميع ، تتولد أزمات و ربما صدامات تزيد من المعضلة .
التاريخ و تجارب المجتمعات تؤكد أن الإصلاح الأكثر عمقاً و استدامة لا يولد عادة في ساحات الاستقطاب و الصدام ، بل ينشأ في المساحات الهادئة التي تتبنى بناء الإنسان و تركز على تسهيل حصوله على احتياجاته اليومية .
و من هنا تبرز ما يمكن أن نطلق عليه ” استراتيجية التأثير الهادئ ” و هي رؤية عملية تعتمد على الانتقال من العمل السياسي المباشر إلى صناعة قاعدة من التراكم المجتمعي و الخدمي ، و الفكرة بسيطة في جوهرها : فبدلاً من الاصطدام مع الواقع ، يكون الأفضل هو التغلغل في أعماقه من خلال العمل على دعم و تحفيز التنمية الثقافية و الخدمية .
و هذا ما يجب أن تتبناه و تعمل عليه مؤسسات المجتمع المدني و النقابات و الأحزاب على السواء .
أولاً : الخدمة و التنمية :
هنا يجب أن تتوارى الشعارات ، لتبقى الإحتياجات الأساسية للمواطن هي المحرك الأول و الأهم .
فالبدء بالمبادرات التنموية و الاقتصادية – كالدعم التعليمي ، و مكافحة الفقر ، و تشجيع و رعاية المشاريع الصغيرة – لا يقدم حلولاً معيشية فحسب ، بل يسهم في بناء شبكات تضامن حقيقية بين أفراد المجتمع .
و في هذه المساحات الخدمية يتعلم الناس كيف يتكتلون و يعملون معاً من أجل أهداف مشتركة .
و بالمثل أيضاً في العمل النقابي و المهني ، فحين يكون الهدف هو الحصول على الحقوق اليومية و الارتقاء بالمهنة ، يرسخ ذلك لإستراتيجية تحقيق المكاسب المتدرجة و الواقعية بدلاً من أسلوب المطالبة بكل شيء أو خسران كل شيء .
ثانياً : بناء العقل قبل قرار خوض المعركة .. الصالونات الثقافية و دور الفكر :
قبل أن نطالب بمجتمع يجيد التعامل مع الاختلاف ، و يدير اختلافاته بأسلوب حضاري ، علينا أولاً أن نوفر له مساحات و بيئات هادئة ليتعلم فيها كيف يختلف .
و هنا تبرز أهمية استعادة دور صالونات الفكر و أندية القراءة ، و الندوات المصغرة ليست رفاهية أو ترف فكري لا أهمية لها ، بل تعد هي البنية التحتية لكل إصلاح مجتمعي .
ففي هذه المساحات يتعود المشاركون على التفكير النقدي ، و تقبل الرأي الآخر ، و إدارة النقاشات بأسلوب ملهم و راقي .
كما أن تقديم الدراسات و الأفكار للمجتمع بأسلوب موضوعي – و لو كان استشاري – يسهم في حل مشكلات ملموسة بعيداً عن لغة التخوين أو المعارضة لمجرد المعارضة .
ثالثاً : صناعة الكوادر من خلال الاستثمار في إنسان الغد :
المؤسسات و المبادرات ليست مجرد جدران أو لافتات بشعارات براقة ، بل هي نواة لصناعة العقول و القيادات .
حيث أن أهم أدوار المجتمع المدني في أوقات الهدوء هو صنع الكوادر .
ففي ورش العمل التدريبية للشباب و من خلال التدريب على التخطيط المؤسسي ، و إدارة المبادرات ، و كيفية حل النزاعات بأساليب سلمية ، يكون قد تم إعداد جيل يمتلك أدوات الإدارة الحقيقية .
و عندما يلتقي المتدرب هذا التدريب بالتوازي مع تشجيع المسؤولية المجتمعية و التنسيق بين المبادرات الفردية و المؤسسات ، تتشكل كتلة بشرية واعية و مؤهلة ، تكون قادرة على التعبير عن تطلعات مجتمعها بأسلوب منطقي واقعي و مسؤول .
رابعاً : الشرعية المجتمعية :
الحقيقة أن مؤسسات المجتمع المدني و الجمعيات لا تكتسب قوتها و حصانتها من القوانين و أوراق التسجيل و التراخيص فقط ، بل من مدى ارتباطها بالشارع و ارتباط الشارع بها .
فعندما يرى المواطن أن هناك كياناً يُعلم أبناءه ، أو يُطور مهاراته ، أو يدافع عن مصالحه المهنية ، أو يقدم له بيئة تدار فيها الحوارات بإحترام .. يتبنى المواطن نفسه هذا الكيان و يصبح حامياً له .
و عليه تتحول لغة الحوار من المنفعلة إلى لغة حوار عقلانية قائمة على سيادة القانون و الإدارة الرشيدة للنقاش و هو ما يمنح أي مشروع إصلاحي النجاح و الاستمرارية .
إن التأثير الهادئ و بهذه الفلسفة و الاستراتيجية ، ليس تراجعاً أو استسلام للأمر الواقع ، بل هو صورة من صور الذكاء المجتمعي .
إنه إدراك صريح بأن التغيير الحقيقي يتطلب غرس الجذور أولاً قبل الانشغال بحصد الثمار ، و أن بناء الثقافة ، و التنمية ، و تأهيل الإنسان وحده هو الطريق السليم لتغيير وجه المستقبل بهدوء و بدون خسائر .
