دكتورة خولة حمدي
من عمق الهوية و الحنين في ” في قلبي أنثى عبرية ” و ” غربة الياسمين ” ، إلى محطات البحث و الوجود في ” أن تبقى” و ” أرني أنظر إليك ” و ” سماء بلا ضياء ” نلتقي في هذا الحوار بالروائية و الأكاديمية التونسية د. خولة حمدي ، لنستكشف كيف غزل قلمها من شجون الواقع لوحات روائية مفعمة بالدفء و الخيال .
بداية : دكتورة خولة ، حصولك على شهادة في الهندسة الصناعية و من ثم على دكتوراه في بحوث العمليات (أحد فروع الرياضيات التطبيقية) من جامعة التكنولوجيا بمدينة تروا بفرنسا لابد وأنه كان عن براعة و اتقان للمنطق و الرياضيات ، بينما الرواية عالم من الخيال والمشاعر ..
فكيف تشكل هذا المزج بين هذين الاتجاهين في وجدانك و أثر ذلك في روايتك؟
= لا أعتقد أنّ الجمع بين العلوم والأدب أمر نادر، بل كثيرًا ما يتحدّث النقاد عن متلازمة “الطب والأدب”، نظرًا لوجود أعداد من الأدباء الذين يحترفون الطبّ. ولعلّ الهندسة لا تختلف كثيرًا في هذا الصّدد.
أمّا عن أثر ذلك في الكتابة الروائية، فالكاتب الذي يتمتّع بخلفيّة علميّة يحرص على سلامة التسلسل المنطقيّ للأحداث ويستأنس بالظواهر الطبيعيّة والنظريات العلميّة، ويكتب شخصيّات منطقيّة الدّوافع والأفعال.
ولطالما كان للعلوم نصيب في رواياتي، سواء من خلال شخصيّات تخصّصها علميّ، أو من خلال التعرّض لنظريات فيزيائيّة وفلسفيّة، ومؤخّرًا من خلال سلسلة خيال علميّ تضع القارئ أمام ظاهرة فانتازية لكنّها مفسّرة عن طريق فرضيات علميّة.

رواية “في قلبي أنثى
عبرية” حققت انتشاراً عربياً هائلاً .
برأيك، ما هو “السر”
الذي جعل هذه الرواية تحديداً تلمس قلوب القراء بمختلف توجهاتهم ؟
= نجاح روايتي الأولى توفيق من الله سبحانه وتعالى أولا، ثمّ يمكن تفسيره بتناولها لقصّة حقيقيّة تركت أثرًا في نفوس النّاس، ومحورها الأساسي المتعلّق بالإيمان جعلها قريبة من قلوب الكثيرين. لا أدّعي أنّ لي فضلا في هذا النّجاح عدا تسليط الضّوء على القصّة من خلال تحريرها أدبيًا، فقد كنت مبتدئة في أوّل الطّريق وقلمي به من النقائص والشوائب ما لا يحصى، لكنّها وجدت لها موطنًا في أفئدة كثيرة وهذا كرم كبير.
في أعمالكِ تركيز واضح على صورة “الآخر” (سواء دينياً أو فكرياً) .. حدثينا عن رؤيتك حول دور الأدب في مد جسور التواصل في وقت تزداد فيه الصراعات و يتبنى فيه البعض الأفكار المتطرفة؟
من خلال تجربتي الشخصية أدرك أنّ كلا منا “آخر” بالنّسبة لغيره، لذلك تدور أحداث رواياتي غالبًا في مجتمعات تعدّدية الأصوات، سواء تعلّق الأمر بحضور اليهود في تونس، أو المسلمين في فرنسا، أو طبقات المجتمع المختلفة، أو التقاء الأصدقاء ذوي التوّجهات الدّينية والفكريّة المتباينة. هذه التناقضات تقدّم خصائص ثرية في عالم الرّواية، ولستُ أدّعي تمثيل الأقليات أو الدّفاع عن شرائح بعينها بقدر ما ألحظ الفروقات وأعكس واقعها أدبيًا.
في رواية في قلبي أنثى عبرية، كان “الآخر” هو اليهودي، وأستنكر بشكل خاصّ الادّعاءات بتلميع صورة اليهود في الرواية. في ثلاثية الياسمين، “الآخر” هو الفرنسي، وهو قد يكون متعصبًا وقد يكون منفتحًا، وهذا من باب الواقعية الصّرفة.
من جهة أخرى، إنّ “مدّ جسور التّواصل” يعني حرفيًا الكتابة بلغة “الآخر” الذي يختلف عني وعن الشخصيات الرئيسيّة في رواياتي، وهو ما لم يشغلني في السّابق، لكنّني بدأت أولي هذا المجال اهتمامًا حديثًا، من خلال النشر باللّغة الإنجليزية، وآمل أن أوفّق إلى ترجمة باقي الروايات في وقت قريب.
د. خولة حمدي تونسية تعيش في
السعودية ودرست في فرنسا، كيف شكلت هذه الجغرافيا المتعددة وعيكِ الأدبي؟
في مقتبل الشّباب، قرأت من الأدب الفرنسيّ أكثر من غيره، نظرا لوجودي في محيط ناطق بالفرنسيّة، لكنّني حين قرّرت الكتابة وجدتني أعود إلى العربيّة، غرامي الأوّل. أمّا القصص التي أكتبها فتتنقل شخصياتها جغرافيا بين تونس وفرنسا غالبًا، وتتأثر بتجاربي الشخصيّة والعلاقات التي أنشأتها في كليهما، وبالوقائع التي عايشتها أو كنت شاهدة عليها.
لذلك فإنني أجد مقولة أنّ الكاتب ابن محيطه صحيحة تمامًا، فنحن نكتب عن الأشياء التي نعرفها غالبًا، لأنّنا نفعل ذلك أفضل من غيرنا الذي لم يشاركنا تجاربنا. وقد سئلت مرارًا، لماذا لا أكتب عن مصر أو فلسطين أو سوريا.. أو غيرها؟ وقد كان جوابي دائمًا أنني أفعل بطريقتي الخاصة.. من خلال شخصيات مغتربة أعرف واقعها وأحيط بها من منظوري الخاص، أمّا الواقع الداخلي على تلك الأرض، فيكتبه أفضل مني من عايشه.

البطلة الأنثى في رواياتك تتميز بالقوة و القدرة على التغيير رغم الظروف الصعبة. إلى أي مدى تعكس هذه الشخصيات رؤيتكِ للمرأة العربية في الزمن المعاصر؟ وما الرسالة التي تحرصين على توجيهها لها؟
الأنثى في رواياتي ذات مستويات متعدّدة من القوّة، وهي غالبًا تعكس نماذج واقعيّة لسيدات خضن تجارب صعبة وتعلّمن منها مواجهة تحديّات الحياة. وهي ليست المرأة الخارقة التي تستغني عن الرّجل والآخرين بشكل عام، لكنّها قادرة على الاعتناء بنفسها حين يتطلّب الأمر، وهو وضع وسط في اعتقادي بين “الفتاة الهشة الواقعة في محنة”، و”المرأة الحديديّة” الذي تصور كليهما السينما غالبًا في مبالغات قصوى.
أمّا الرّسالة التي أوجهها للمرأة العربية، فهي التحلي بالثقة لأن مفاتيح النّجاح كلّها بيدها، وإن تعلّقت همّتها بشيء تريد تحقيقه فلن يمنعه عنها مانع، طالما كان إيمانها بالله راسخًا وأخذها بالأسباب واقعًا.
للقارئ المصري ذائقة خاصة وارتباط
قديم بالأدب المغاربي. فكيف تصفين علاقتك بالجمهور في مصر؟
= بدايتي في عالم الكتابة كانت ولازالت مع دار كيان للنشر، وهي البوابة التي تعرّفت من خلالها على الجمهور المصريّ خاصّة والعربي عمومًا، وأنا مدينة للقارئ المصري بهذه الفرصة التي أتاحت لي المواصلة مع رحلة النشر لذلك سيبقى دائمًا للجمهور المصريّ مكانة خاصّة، وحتّى إن لامني القراء على الغياب عن المعارض الخارجيّة، فالمعرض الوحيد الذي زرته بعد معرض الرياض حيث أقيم هو معرض القاهرة .
هل سنرى د. خولة حمدي قريباً
بيننا في صالون أقلام ذهبية نقابة الصحفيين المصرية بالقاهرة؟
شاكرة لك ولصالون أقلام ذهبيّة الدّعوة اللّطيفة، وعسى أن يتيسّر ذلك بأمر الله.
وفي الختام .. يبقى الأدب هو ذاك الجسر الذي يربط القلوب مهما تباعدت المسافات وتعددت الثقافات .
فكل الشكر للدكتورة خولة حمدي على هذا البوح الراقي والمفعم بالإنسانية في آن واحد ، وفي انتظار أن تشرق شمس عملها الجديد، نتطلع بشوق لـقاءٍ قريب يجمعها بعشاق حرفها في القاهرة.
