تقارير

محمد أكسم يكتب: وعد لم يكتمل

 

لم يكن أحد يعرف من يملك ذلك المقهى الصغير القابع في زقاق مطل على النهر، ولا من يديره، كل ما يعرفه أهل المدينة أن أبوابه لا تُفتح أبداً قبل مغيب الشمس, حين ينسحب آخر خيط من الضوء، ويبدأ النهر في التحول إلى مرآة من السواد والنجوم، يضاء مصباح نحاسي قديم عند المدخل، وتنبعث منه رائحة قهوة تشبه الحنين عندها فقط، يفتح الباب بهدوء، ويقف مراد، النادل الوحيد، بابتسامته التي لا تتغير، كأنه حارس لزمن آخر.

 كان مراد في منتصف العمر، أو هكذا يبدو، لكن من يراه عن قرب يشعر أنه لا ينتمي لعمر محدد, ملامحه تشبه الذكريات: مألوفة وغامضة في آن واحد, عينيه رماديتان، وفيهما بريق لا يطفئه الليل, هو لا يتحدث كثيراً، لكن صوته يحمل دفئاً يجعل كل غريب يشعر كأنه في مكان يعرفه منذ زمن بعيد.

يقال إن المقهى هذا لا يستقبل زبائن عاديين، بل أولئك الذين خذلهم القدر في الحب، الذين فاتهم موعد، أو سافروا دون وداع، أو ظل في قلوبهم كلام لم يقال أو يأتون دون أن يدروا كيف وصلوا، كأن المقهى نفسه هو من دعاهم وكانت هناك طاولة وحيدة يحتفظ بها مراد بعناية خاصة, كل من جلس عليها، تغيّر شيء في حياته أو في قلبه.

 

في ليلة شتوية، دخلت امرأة في أواخر الثلاثين، ترتدي معطفاً رمادياً، شعرها منسدل يقطر بالمطر، وعيناها تلمعان بخوف لا تعرف مصدره, وقفت تتأمل المكان بدهشة، كأنها تعرفه، ثم قالت بصوت مرتجف:

“”هل هذا المكان مفتوح منذ زمن؟ لا أذكر أنني رأيته من قبل

أجابها مراد وهو يلمع فنجاناً

إنه لا يظهر إلا لمن يبحث عن شيء ضاع منه” “

ثم أشار إلى الطاولة رقم 7، وقال بابتسامة غامضة

“تفضلي يبدو أنها كانت تنتظرك الليلة”

جلست المرأة، نظرت إلى الشموع الصغيرة الموزعة حولها، ثم أغمضت عينيها، ولوهلة، أحست بعبق عطر قديم، بنغمة ضحكة كانت تعرفها فتحت عينيها فرأت رجلاً يجلس أمامها، لم تدخل هي، ولم يخرج هو, كأن المقهى أنجبهما معاً من ذاكرة واحدة

كان هو عمر، الرجل الذي أحبته قبل عشرين عاما، الذي ودّعها دون تفسير، تاركا وراءه وعداً لم يكتمل

نظر إليها بدهشة وابتسامة خافتة، وقال

“ظننت أنك لن تأتي”

ردت بهمس يشبه النحيب

“وظننت أنك انتهيت”

ضحك مراد بصمت خلف الطاولة، وكأن شيئا مألوفا يحدث من جديد, جلسا طويلًا دون أن يشعر أحدهما بالوقت, تحدثا عن أشياء كثيرة عن المدينة التي تغيرت، عن الأحلام القديمة، عن الخطأ الذي فرق بينهما كانت الموسيقى في الخلفية هادئة، والهواء يحمل رائحة البن المحروق وقصصاً لا تقال وقبل أن تغيب آخر شمعة، قال عمر بصوت مبحوح:

“هل يمكن أن نبدأ من جديد؟”

نظرت إليه طويلاً ثم همست

“ربما بدأنا فعلاً هنا”

حين عاد مراد في الصباح ليجمع الكراسي ويطفئ المصابيح، كانت الطاولة رقم 7 خالية، وعلى سطحها فنجانان من القهوة ما زالا دافئين، وبينهما وردة ذابلة, رفعها مراد ببطء ووضعها في دفتر قديم خلف المنضدة، حيث يحتفظ بوردة لكل لقاء اكتمل أو لم يكتمل.

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى