رئيس الاتحاد الدولي للذكاء الاصطناعي في حوار خاص مع “المصور”: الاعتماد الزائد على الخوارزميات يهدد بفقدان “روح الصحافة”

حوار أحمد سالم
في ظل التسارع الرقمي الذي يشهده العالم، يبرز الذكاء الاصطناعي ليس فقط كأداة تقنية، بل كقوة إعادة صياغة لمفاهيم الحقيقة وصناعة الوعي. وفي هذا الحوار الاستثنائي، نلتقي مع السيد أمين بلمزوقية، رئيس الاتحاد الدولي للذكاء الاصطناعي، ليضعنا أمام رؤية استشرافية معمقة حول تقاطع التكنولوجيا مع مهنة المتاعب.
بخبرته القيادية في هذا المجال، يفكك لنا بلمزوقية الجدل القائم حول تهديدات الخوارزميات مقابل فرص الابتكار، مجيباً على تساؤلات جوهرية تمس صلب العمل الصحفي؛ من صناعة الخبر ومصداقيته، وصولاً إلى أخلاقيات التعامل مع المحتوى المولّد آلياً، إليكم نص الحوار الذي يرسم خارطة الطريق لعلاقة تكاملية بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي.
كيف ترون تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل صناعة الصحافة خلال السنوات القادمة؟
نحن أمام تحول بنيوي في صناعة الصحافة، وليس مجرد تطور تقني، الذكاء الاصطناعي سيغيّر طريقة جمع الأخبار، تحليلها، إنتاجها، وتوزيعها، وسيمنح المؤسسات الصحفية قدرة غير مسبوقة على معالجة كميات هائلة من البيانات وفهم اهتمامات الجمهور. لكن في المقابل، ستزداد أهمية الصحافة التحليلية والاستقصائية، لأن القيمة لم تعد في “الخبر السريع” بل في الفهم العميق والتفسير المسؤول.
هل تعتبرون الذكاء الاصطناعي تهديدًا لمهنة الصحافة أم فرصة لتطويرها؟
الذكاء الاصطناعي ليس تهديدًا في حد ذاته، بل هو مرآة لكيفية استخدامنا له إذا استُخدم كبديل عن التفكير الصحفي، يصبح خطرًا، أما إذا استُخدم كأداة داعمة، فهو فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار لدور الصحفي كمحلل، وناقد، وحارس للحقيقة.

ما مدى اعتماد المؤسسات الصحفية الحالية على أدوات الذكاء الاصطناعي؟
الاعتماد يتزايد بشكل ملحوظ، خاصة في غرف الأخبار الكبرى، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي في رصد الأخبار العاجلة، تحليل البيانات، الترجمة الفورية، كتابة المسودات الأولى، وتخصيص المحتوى. لكن الاعتماد ما زال حذرًا نسبيًا عندما يتعلق الأمر بالتحقيقات الحساسة أو القضايا الأخلاقية.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكتب مادة صحفية بجودة صحفي محترف؟ ولماذا؟
يمكنه محاكاة الشكل، لكنه لا يمتلك جوهر التجربة الصحفية، الذكاء الاصطناعي يفتقر للوعي بالسياق الاجتماعي، والحدس المهني، والمسؤولية الأخلاقية، الصحافة ليست تجميع كلمات، بل فهم بشر، وتأثير، وعواقب.
كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي على مصداقية الأخبار المنشورة؟
التأثير مزدوج، من جهة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز الدقة والتحقق، ومن جهة أخرى، يسهل إنتاج أخبار مزيفة شديدة الإقناع، ما يضع مصداقية الإعلام أمام اختبار غير مسبوق، ويجعل الثقة رأس المال الحقيقي للمؤسسات الصحفية.
ما المخاطر الناتجة عن الاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي؟
أبرز المخاطر هي تآكل الحس التحريري، تكريس التحيزات الخوارزمية، فقدان التنوع في السرد الإعلامي، وتحويل الصحافة إلى محتوى نمطي بلا روح أو مساءلة.
كيف يمكن للصحفيين التحقق من الأخبار في عصر المحتوى المولّد آليًا؟
التحقق اليوم أصبح علمًا قائمًا بذاته، ويتطلب الجمع بين مهارات بشرية وأدوات تقنية : التحقق من المصادر، فحص البيانات الوصفية، استخدام أدوات كشف التزييف العميق، والأهم هو الشك المهني المشروع.
هل ما زال الجمهور قادرًا على التمييز بين المحتوى البشري والآلي؟
القدرة تتراجع مع تطور التقنيات، خاصة التزييف العميق، لذلك، تقع مسؤولية كبرى على المؤسسات الإعلامية في الشفافية، وعلى الأنظمة التعليمية في تعزيز الثقافة الإعلامية.
ما المهارات الجديدة التي يجب على الصحفي اكتسابها؟
لم يعد كافيًا أن يكون الصحفي كاتبًا جيدًا فقط، اليوم يحتاج إلى فهم الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، التحقق الرقمي، وأساسيات أخلاقيات التكنولوجيا.
هل ستحل الأنظمة الذكية محل بعض الوظائف الصحفية؟ وأيها؟
ستتراجع بعض الأدوار الروتينية مثل الأخبار الآلية، التفريغ، والترجمة الأولية، لكن الوظائف التي تتطلب حكمًا إنسانيًا، تحقيقًا، أو مساءلة سلطة ستزداد أهمية لا العكس.

كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة المحتوى؟
عبر دعم الصحافة الاستقصائية، تحليل قواعد بيانات معقدة، كشف أنماط الفساد، ومساعدة الصحفي على طرح الأسئلة الصحيحة بدل إضاعة الوقت في المهام التقنية.
إلى أي مدى نحتاج تشريعات لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام؟
نحن بحاجة إلى تشريعات ذكية لا تخنق الابتكار، لكنها تضع خطوطًا حمراء واضحة، خاصة فيما يتعلق بالتزييف العميق، المسؤولية القانونية، وحق الجمهور في المعرفة الصحيحة.
كيف نواجه الأخبار المزيفة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي؟
المواجهة لا تكون تقنية فقط، بل شاملة : قوانين، منصات مسؤولة، إعلام مهني، وتعليم يُدرّب الجمهور على التفكير النقدي.
هل سيغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفاعل الجمهور مع الأخبار؟ وكيف؟
نعم، سنشهد محتوى أكثر تخصيصًا وتفاعلية، لكن الخطر يكمن في خلق فقاعات معلومات تعزل الأفراد عن الرأي الآخر، وهو تحدٍ ديمقراطي حقيقي.
ما رؤيتكم لمستقبل العلاقة بين الصحفي والذكاء الاصطناعي؟
أراها علاقة تكامل استراتيجي، الذكاء الاصطناعي هو العقل الحسابي، والصحفي هو العقل الأخلاقي، المستقبل لا يصنعه أحدهما وحده.




