إحياء الدراما الروائية بعيدًا عن صخب الأقلام

قراءة في رواية عصف الخريف
في زمنٍ تتسارع فيه الروايات وتتشكل من نوع وآخر وتتجه نحو الرعب، والفانتازيا، والخيال، وتشابك الألوان الأدبية حتى فقدت ملامحها الأولى، تبرز بعض الأعمال كاستثناء هادئ، ومنها رواية ” عصف الخريف”, هي واحدة من تلك الأعمال التي لا تراهن على الصدمة، ولكنها تسعى إلى العمق، لا تبحث عن الإدهاش السريع، بقدر رغبة الامتداد إلى ترك الأثر البعيد.
تأتي الرواية دون ذكر الزمن وبتصاعد تسلسل هادئ ، والحكاية تُروى من داخل إنسان, لا من أجل التصنيف، بل من أجل إبراز عمق الشعور بصوت ضجيج مكتوم. نمط كتابي غير تقليدي يبتعد تماما عن الإسهاب المبالغ سطورها ستعيد للدراما الروائية مكانتها، تلك الدراما التي تنبع من النفس البشرية، من صراعاتها الخفية، وأدوار صغيرة تتحكم بسير الذروة حتى لا تتراكم التساؤلات عند القارئ.
تعتمد عصف الخريف على عامل نفسي واضح، تشويق لا يقوم على الأحداث الصاخبة، بل على التوتر الداخلي للشخصيات، على ما لا يُقال أكثر مما يُقال. شخصياتها لا تُقدَّم كأبطال خارقين، كائن يكتب بقلم مثقل بالعاطفة، ويمزجها بالحرمان، وبالخزي أحيانًا، كأنها مرايا تعكس هشاشتنا نحن.
الرومانسية في الرواية ليست زينة لغوية، بل حاجة إنسانية، تظهر في نظرة، في صمت طويل، في خوف من الفقد. هي رومانسية ناضجة، ممزوجة بالوعي، وبإدراك أن الحب لا ينفصل عن الألم، وأن العاطفة كثيرًا ما تُولد من رحم الحرمان. أما الزمن، فهو بطل خفي في هذا العمل. سنوات تسقط من العمر كما تسقط أوراق الخريف؛ بلا ضجيج، لكن بأثر لا يُمحى. الوجوه تتكشف، تتعرّى من أقنعتها، وتظهر حقيقتها مع تقدّم السرد، فنكتشف أن الخريف ليس فصل نهاية، بل فصل كشف.
عصف الخريف ليست رواية تهرب بالقارئ من الواقع، بل تعيده إليه بلغة جميلة، وصدق عاطفي، وتعبير إنساني عميق. إنها تذكير بأن الرواية ما زالت قادرة على أن تكون مساحة للتأمل، وللشعور، وللكتابة التي تُقرأ بالقلب قبل العين. في زمن ازدحام الأصوات، تأتي هذه الرواية لتقول إن الهدوء ما زال قادرًا على أن يكون أكثر بلاغة.
زاوية من داخل الرواية
جميعنا بحاجة إلى مشاعر صادقة؛ مستمرة؛ مستقرة, ودائمًا ما تكون على رأس قائمتها “السعادة”, تلك الزائرة الخفيفة التي لا تبقى لأمد وسرعان ما تنتهي, تمر عابرة مرور كرام, ويبقى الأمل هو امتلاك قدر منها كي نتخطى أوقاتنا. ربما إن وجدت لن نلتفت لبقية القائمة. أظن لم يحظ أحد بسعادة كاملة, وسيظل السؤال ” لِمْ اتخذت عهدًا بألاّ تكتمل؟”.
وكأنني ورقة من أوراق الأشجار التي لا تبقى يانعة طيلة العام. أرى نفسي هكذا. أحيا بغصن لمدة مؤقتة، أتأمل البقاء، ولكن المصير محتوم، -ذات يوم- سأبلى. أعلم أن عصف الخريف لا يرحم, ورياحه لا تجلب إلا المصاعب، إما غبار يترك غشاوة بالأبصار وإما يسحق الصفو بمهب إعصار. عصف الخريف لا يستثني شيء، فغضبه يسقط الأوراق الضعيفة فتفترش الأرض والأرصفة بالذابلة كسجادة ترحب بمحبي فصل الحصاد. مهزومة هي وقد تخلى عنها غصنها ولم يقو حق الردع, تخلى عنها بعد زوال زهوتها لتلقى مصيرها, تتطاير أحيانًا؛ تلتصق بالسياج الشائكة؛ تزروها الرياح, وبالأخير, تسحق الهشة تحت الأقدام فتصدر صوتًا لا يسمعه سوى المنكسر الذي يماثلها العاقبة, تلك نهايتها.




