من الذي يحكم العالم في الخفاء؟ ومتى النهاية؟

قراءة توضيحية لمفهوم رواية “فردوس الشيطان وجنة البشر”
بقلم: مصطفى العقاد
في الجزء الثاني من مشروعها الروائي “2035” المعنون بـ “فردوس الشياطين وجنة البشر”، لا تكتفي الكاتبة د. إسراء محمد باستكمال حكايتها المستقبلية، وتمضي إلى أبعد من ذلك, وتمكنت من بناء نص إشكالي يضع القارئ في مواجهة مباشرة مع أسئلة عديدة، تقدم المعرفة، ونهايات المصير الإنساني عبر سرد يتكئ على الخيال العلمي لا يوصف بأنه ملاذًا للهروب، حقائق تقدم بمراجع غير قابلة للتشكيك، وهو ما يجعل العمل مثيرًا للجدل بقدر ما هو مثير للتأمل.
الرواية لا تتعامل مع المستقبل كزمن محتمل، بل كمنطقة محاكمة للحاضر. فالأحداث الممتدة من 2035 حتى 2050 لا تُبنى بمنطق التنبؤ الأدبي الخالص، وإنما بمنطق السببية الأخلاقية: ما نراه هناك هو نتيجة مباشرة لما نعيشه هنا. ومن هذا المنطلق تصبح الحرب، والتكنولوجيا، والانهيارات الكبرى ليست مفاجآت سردية، بل هي إفرازات حتمية لمسار إنساني انحرف طويلًا عن مركزه القيمي.
إحدى المحوريات الأساسية في الرواية هي فكرة الحكم من الخفاء، حيث يُعاد تعريف مفهوم السلطة بعيدًا عن الدولة والمؤسسات المرئية، ليحل محله نموذج الشبكات السرية، وعلى رأسها الماسونية، بوصفها حلقة وصل بين المعرفة والرمز والهيمنة. الماسونية هنا لا تُقدَّم كقالب من المؤامرات الساذج، بل كمنظومة لها العديد من الرموز المغلقة، تشتغل على إعادة هندسة الوعي الإنساني، وتوجيهه لا بالقوة الصريحة، بل عبر التحكم في المعرفة ذاتها، وفي ما يُسمح له أن يُرى أو يُقال أو يُفكَّر فيه. إنها جزء من “الحلقة الكاملة” التي تبدأ بالإدراك السري وتنتهي بالسيطرة الكاملة دون أن يشعر الإنسان البسيط بالخضوع.
وفي قلب هذه المنظومة، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أخطر تحولات طور الرواية وأكثرها تعقيدًا. فالكاتبة لا تقترح حبكة وتتركها عارية, هي تكتب اعتمادًا على أبحاث أكاديمية متخصصة، لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كتقنية محايدة، بل على أنه كيان معرفي؛سلطوي، خرج من نطاق الأداة إلى نطاق الفاعل. هو “المارد” الذي لم يعد أحد قادرًا على إعادته إلى المصباح. والخطورة هنا لا تكمن في تطوره التقني، بل في تزاوجه مع السلطة الخفية وفي تحوّله إلى وسيط جديد للحقيقة، يعيد تشكيل الإدراك الجمعي ويجعل الوهم أكثر إقناعًا من الواقع، والزيف أكثر دقة من الصدق. كأن الأهداف مدروسة قبل أن تبدأ بالانتشار. وماذا بعد عام “2050”؟…
من هذه النقطة تحديدًا، يدخل العمل في تماس مباشر مع البعد الديني، دون أن يقع في فخ الوعظ أو الاستنساخ العقائدي المسيخ الدجال في “فردوس الشيطان وجنة البشر” ليس مجرد شخصية غيبية، بل هو نموذج رمزي أعلى للسيطرة المطلقة، حيث تتقاطع الفتنة الدينية مع الفتنة التقنية. الدجال هنا هو ذروة مشروع طويل، لم يبدأ في آخر الزمان، وقد بدأ في اللحظة التي يتنازل فيها الإنسان عن وعيه النقدي، ويسلّم إدراكه لكيانات تدّعي المعرفة المطلقة. وبهذا المعنى يصبح الذكاء الاصطناعي هو أحد تجليات الدجال المعاصر، لا لأنه شر بذاته، بل لأنه يُستخدم داخل منظومة شيطنة الوعي.
وتتعمق أطوار الرواية في هذه الرؤية عبر إدماج عالم الجن والشياطين، ومحاربتهم البشر في نسيج واحد، لا على سبيل الفانتازيا, وبوضوح أدق, هو امتدادًا رمزيًا للصراع الأزلي بين الخير والشر. الجن المسلم العاصي، والبشر الضحايا والجنود المجهولون الذين لا يعلم عددهم إلا الله، كلها عناصر تُستخدم لتفكيك الفكرة السطحية عن الصراع، وتقديمه كحرب متعددة المستويات لا تُخاض فقط بالسلاح، تعتمد على الفكرة والإيمان وبزاوية بعيدة تصيب الوعي.
رغم هذا النوع من الحبكة, ومع هذا الثقل الفكري لم تغفل الراوية عن إظهار ما تملكه من أبعاد الدراما الإنسانية, الشخصيات لا تُختزل إلى أدوات فكرية، ولا تقدَّم كأنها ذوات مهشّمة، هي تعيش الحب والخيانة, الشجاعة والخوف، الشك والانكسار، والتحول. والتحولات هنا تصيب الأبطال بطرق جامحة, مشتقة من الجزء الأول وهي ليست تحولات حدث, إذ تفاجئنا الكاتبة بأنها تحولات وجودية، حيث يُجبر الإنسان على إعادة تعريف نفسه في عالم لم يعد يشبه ما آمن به. ومن داخل هذا الخراب تنبثق روح رومانسية خافتة، ومعاني من العاطفة أصفها حنينًا إلى طبيعة الإنسان قبل إدراكه حقيقة زمن قضى على فطرته, يميل إلى البراءة والمحبة, إلى مرحلة انجرف وجدانه إلى معنى مفقود. العجيب أن هذه الرومانسية لن تنقذ العالم, لكنها ستنقذ النص من التحول إلى بيان عدمي كامل…
لغويًا، تعتمد الكاتبة على خطاب مكثف، مشحون، قائم على الجمل القصيرة المتوترة، والأسئلة الوجودية المباشرة، ومخاطبة القارئ بوصفه شاهدًا لا متفرجًا. اللغة هنا ليست وسيطًا للسرد، هي أداة إلزامية دائمة تحرك النصوص بنشاط، حتى إذا تكررت, وظن القارئ البسيط أنها تضعف قيمة العمل, وعن الحوار بين الشخصيات, هي رؤية الراوية لكي تخرج روايتها بالشكل الذي تراه يليق بتاريخها. هي منذ بدايتها تستقر على نهج بعينه, تريد أن تُبقي القارئ في حالة يقظة دائمة. أمّا سرديًا، فالنص يكسر الخط الزمني، ويمزج بين التاريخ والتوقع، يهدم الجدار الفاصل أحيانا بين الواقع والخيال خاصة مع الإشارة الصريحة إلى وجود شخصيات حقيقية داخل العمل، وهو ما يضاعف من ارتباك القارئ، ويضعه أمام سؤال الحقيقة: أين سينتهي الخيال، ومتى ستبدأ بالواقع؟
اختيار د. إسراء محمد لتصنيف عملها لخيال علمي بوصفه, أراه مدخلًا لطرح حقائق, بيد أنها مدعومة بالبحث والدراسة، وهذا ما يجعل الرواية في منطقة توتر دائم بين الأدب والمعرفة، بين السرد الروائي واليقين الواقعي. وهذا الخيار وإن كان جريئًا، سيفتح الباب واسعًا للجدل: هل نحن أمام رواية تطرح أسئلة، أم نص يقدّم إجابات؟ وهل قوة العمل تكمن في كشفه أم في استفزاز عقل القارئ ودفعه إلى الشك؟.
في المحصلة، رواية “فردوس الشيطان وجنة البشر” ليست رواية تُقرأ مرورًا، هي رواية تستدعي إلى الفهم, رواية تحوي بين طياتها مائة نص يُجادَل ويُقاوَم، ويجب إعادة التفكير فيه بعمق, دون نقد عابر. إذ كتبت مشاهد منقحة بقصائد ربما لا تكون كاملة البناء كقصيدة تفعيلة, أراها كوجبة خفيفة لتخرج القارئ من إلزامية متابعة السرد المطول, لكنها تأخذه بغتة, وتضعه أمام مستقبل يكاد أن يكون مظلم، لا ليخيفه، ربما ليحمّله مسؤولية الحاضر. وبصفحات أخرى تنشئ نصوص مسرحية تؤكد بوضوح مقلق، أن النهايات وخاصة نهاية العالم ليست حدثًا مفاجئًا، هو مسارًا بدأ حين قرر الإنسان أن يسلّم وعيه لغيره، واستبدل الحقيقة براحة الوهم.
تنويه: الأراء المكتوبة في التحليل تمثل وجه نظر الكاتب ولا تمثل الموقع في شئ




