السودان ينزف الفاشر تُباد والعالم يكتفي بالمشاهدة

كتبت هدير شهاب الدين
لم تكن الفاشر مدينة سودانية فقط، بل كانت مرآةً مكسورة تعكس وجع أمة بأكملها. لم تكن مجرد نقطة على الخريطة، بل كانت قلبًا نابضًا بالحياة، توقف فجأة تحت وابل من الرصاص والقذائف.
قوات الدعم السريع اجتاحت المدينة بعد حصار طويل، لكن ما حدث لم يكن نصرًا عسكريًا، بل انهيارًا أخلاقيًا. البيوت تحوّلت إلى رماد، المستشفيات سقطت، والناس ركضوا في الشوارع لا هاربين من الموت، بل راكضين نحوه، لأن الموت صار أرحم من البقاء.
في الفاشر، لم يكن هناك وقت للبكاء. الأمهات دفنّ أبناءهن بأيديهن، والآباء حملوا جثث أطفالهم على أكتافهم، لا إلى المقابر، بل إلى أي مكان بعيد عن القصف. لم يكن هناك إسعاف، ولا كهرباء، ولا ماء. فقط صمت ثقيل، ورائحة دم لا تزول.
المدينة التي قاومت وحدها، سقطت وحدها. لا طائرات إغاثة، لا ممرات آمنة، لا صوت عالمي يعلو فوق صوت الرصاص. وكأن العالم قرر أن يُطفئ أنظاره، ويترك الفاشر تحترق في صمت.
في الأمس، لم تُباد مدينة فقط، بل أُبيدت معها الثقة في الإنسانية. أُبيدت معها فكرة أن هناك من سيأتي للنجدة. أُبيدت معها أحلام أطفال كانوا يكتبون أسماءهم على دفاتر المدرسة، لا يعلمون أن أسماءهم ستُكتب على جدران المقابر.
ما حدث في الفاشر ليس مجرد خبر عاجل. إنه جرح مفتوح، ووصمة عار على جبين العالم.
وإن لم يكن هذا كافيًا لتحريك الضمائر




