محمد أكسم يكتب: مصر الحديثة وريثة المجد وصانعة المستقبل

من بين صفحات التاريخ، تلمع مصر كجوهرة لا تشبه سواها, أرض ولدت عليها الحضارة، وازدهر فيها العقل الإنساني قبل أن يعرف العالم معنى الدولة والنظام والعلم والفن, إنها مصر الفرعونية العظيمة، تلك التي لم تكن مجرد حقبة زمنية فريدة فحسب، بل رسالة إنسانية خالدة تركها المصري القديم للعالم بأكمله.
على ضفاف النيل العظيم، بدأ المصري القديم رحلة التمدن الأولى, لم يكن يعيش ليأكل فقط، بل ليبني ويبدع ويخلّد., ومن بين طمي النيل، صنع الطوب الأول، وشيد المدن الأولى، وأسس أول إدارة مركزية في التاريخ البشرى التليد,لقد أدرك مبكرا أن الحياة نظام، وأن القوة لا تكون في السيف بل في العلم والتنظيم والعمل الجماعي، فأنشأ أول دولة موحدة عرفتها البشرية، تحت راية أول ملك، مينا “نارمر”، موحد القطرين ومؤسس أول سطر في سجل التاريخ الإنساني.
لم يعرف الحدود بين العلم والفن والدين، بل جعل منها خيوطًا متشابكة تشكل نسيج حضارته في المعابد التي ما زالت صامدة، تجد علم الفلك في السقف، والهندسة في الجدران، والطب في النقوش، والفلسفة في المعتقدات , كان المصري القديم فيلسوفًا وفنانًا وعالمًا ومؤمنًا بالخلود, لقد بنى الأهرامات ليقول إن الإنسان يستطيع أن يتحدى الموت بالفكر والعمل.
منذ آلاف السنين، عرف المصريون الطب فكتبوا عن القلب والمخ والأعصاب في بردياتهم، وسبقوا العالم في الجراحة والتحنيط والتشريح,وفي الفلك، رصدوا النجوم ووضعوا التقويم الشمسي الذي ما زال العالم يسير عليه حتى اليوم. أما في الهندسة، فالأهرامات والمعابد والمعابد الصخرية في أبو سمبل وكارناك خير شاهد على عبقرية لا تعرف المستحيل.
لم يكن الفن عند المصري القديم ترفا، بل عبادة وعقيدة
كان يرسم على الجدران كما يكتب في الكتب المقدسة، ويحفر في الحجر كما يخط في قلب الزمان في تماثيله تجد السكون المهيب، وفي عيونه تجد الحكمة التي لا تفنى، وفي ألوانه ترى نهر النيل متدفقًا بالحياة.
الفن المصري القديم هو أقدم سجل بصري في العالم، يحكي عن إنسان أحب الجمال لأنه كان يرى فيه وجه الإله.
فقد آمن المصري القديم أن الروح لا تموت، بل تعبر إلى عالم آخر, من هنا ولدت فكرة البعث والحساب والميزان والخلود، التي انتقلت إلى كل الديانات اللاحقة كان يرى في العدالة أساس الكون، وفي الأخلاق سبيل النجاة, لذلك عاش نبيلاً، ومات مؤمنا، وترك للعالم أعظم فلسفة روحية في التاريخ.
رغم مرور آلاف السنين، ما زال اسم مصر يثير في القلوب الدهشة والإجلال, فحضارتها لم تكن حجرا صامتا، بل فكرا حيًا يسري في وجدان البشرية,وحين يقف الزائر اليوم أمام الأهرامات أو يتجول في معابد الأقصر والمتاحف، يشعر أن الزمن هنا توقف احتراما لعظمة الإنسان المصري.
هذه المعابد لم تبنا فقط للآلهة، بل لتكون رسالة خالدة من الإنسان إلى الإنسان، تقول إن العظمة الحقيقية ليست في القوة، بل في الإبداع، وليست في الغزو، بل في المعرفة والبناء.
اليوم، تواصل مصر رحلتها بنفس الروح التي حملها أجدادها
من المتحف المصري الكبير إلى المدن الجديدة، ومن نهضة التعليم إلى مشروعات الاكتشافات الأثرية، تثبت مصر أنها ليست فقط مهد الحضارة، بل قلبها النابض حتى اليوم
فمن عرف تاريخه، استطاع أن يصنع مستقبله، ومصر هى التي علمت العالم كيف يكتب التاريخ ما زالت تكتبه حتى يومنا هذا.




