تقارير

تشريع جديد لمواجهة الإدمان الرقمي وبناء جيل أكثر وعيًا

 

كتبت: شيرين الشافعي

في ظل الطفرة الرقمية المتسارعة، وتزايد اعتماد الأطفال والمراهقين على الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، تتصاعد المخاوف المجتمعية من التأثيرات النفسية والسلوكية الناتجة عن الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا. وبينما تحولت السوشيال ميديا إلى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، باتت تمثل في الوقت ذاته أحد أخطر التحديات التي تواجه النشء، الأمر الذي دفع الدولة المصرية إلى التحرك تشريعيًا لحماية الأطفال من مخاطر الفضاء الرقمي.

وخلال الفترة الأخيرة، أصدر مجلس النواب بيانًا ثمّن فيه توجه الدولة لإعداد مشروع قانون ينظم ضوابط استخدام الأطفال لمواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي، في خطوة تعكس إدراكًا عميقًا لحجم الأزمة، وسعيًا جادًا لحماية الأجيال الجديدة من الإدمان الرقمي، والتنمر الإلكتروني، والتعرض للمحتوى غير الملائم.

وفي هذا السياق، تناول برنامج «مصر الآن» المذاع على قناة النيل للأخبار خلال استضافة النائب عصام هلال عضو مجلس الشيوخ أبعاد مشروع القانون المرتقب، وأهميته على المستويين التشريعي والمجتمعي، في ظل تنامي الجدل حول تأثير السوشيال ميديا على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين.

 

الإدمان الرقمي… خطر صامت

لم يعد الاستخدام المفرط للتكنولوجيا مجرد سلوك عابر، بل بات يُنظر إليه كظاهرة يمكن وصفها بـ«الإدمان الرقمي»، خاصة بين الفئات العمرية الصغيرة. فقد ارتبط الاستخدام المكثف لمواقع التواصل الاجتماعي بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية، إلى جانب تراجع مهارات الحوار والتواصل الإنساني لدى الأطفال.

وتشير دراسات وتقارير حديثة إلى نسب مرتفعة للتأثيرات النفسية الناتجة عن الاستخدام غير المنضبط للسوشيال ميديا، حيث سجلت معدلات التأثر النفسي أرقامًا لافتة، كما تصاعدت معدلات التنمر الإلكتروني بين الأطفال والمراهقين، وهو ما ينذر بتداعيات طويلة المدى على التكوين النفسي والاجتماعي للنشء.

 

حظر الهواتف… ضرورة أم خيار؟

ومع تفاقم هذه الظاهرة، لم يعد الحديث عن حظر استخدام الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي حتى سن معينة مجرد طرح نظري، بل أصبح توجهًا عالميًا متناميًا. فقد اتجهت دول عدة إلى فرض قيود صارمة على استخدام السوشيال ميديا من قبل القُصّر، في محاولة للحد من آثارها السلبية على الصحة النفسية والسلوكية.

وتبرز في هذا الإطار تجارب دولية لافتة، على رأسها أستراليا التي اتجهت إلى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عامًا، إلى جانب فرنسا وعدد من الدول الأوروبية التي أقرت تشريعات مشابهة، سعيًا لإعادة التوازن بين الحياة الرقمية والواقعية، وحماية الأطفال من مخاطر الإدمان الرقمي.

تشريع يوازن بين الحماية والحرية

ويأتي مشروع القانون المرتقب في إطار السعي لتحقيق توازن دقيق بين حماية الأطفال من مخاطر الفضاء الرقمي، وعدم تقييد التطور التكنولوجي أو الحريات الشخصية. فالتكنولوجيا في حد ذاتها ليست خطرًا، وإنما تكمن الإشكالية في غياب الضوابط والرقابة، وضعف الوعي بأساليب الاستخدام الآمن.

كما يرتبط نجاح أي تشريع في هذا المجال بآليات التنفيذ، ودور التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في فلترة المحتوى، إلى جانب مسؤولية شركات الاتصالات ومنصات التواصل الاجتماعي في تصميم بيئات رقمية أكثر أمانًا وأقل قابلية للإدمان.

الأسرة والمدرسة… خط الدفاع الأول

ورغم أهمية التشريع، يظل دور الأسرة والمدرسة عنصرًا حاسمًا في مواجهة مخاطر الفوضى الرقمية. فتعزيز الوعي الرقمي، ومتابعة أنماط استخدام الأطفال للتكنولوجيا، وفتح مساحات للحوار داخل الأسرة، تمثل ركائز أساسية لحماية النشء.

كما تبرز أهمية دمج مفاهيم الوعي الرقمي ضمن المناهج التعليمية، وإشراك المؤسسات التربوية في منظومة الحماية الرقمية، باعتبارها شريكًا رئيسيًا في بناء سلوك رقمي متوازن لدى الأطفال.

 

نحو جيل رقمي واعٍ

في المحصلة، لا يستهدف مشروع القانون المنع من أجل المنع، بل يسعى إلى تنظيم الاستخدام، وبناء وعي رقمي حقيقي، يساعد على إعداد جيل قادر على التعامل مع التكنولوجيا بشكل آمن ومسؤول، واستعادة مهارات التواصل الإنساني، وحماية الصحة النفسية للأطفال، في عالم باتت فيه السوشيال ميديا واقعًا لا يمكن تجاهله، لكن يمكن، بل يجب ضبطه.

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى