حوادث

العدو الذكي

 

بقلم : رنيم علاء نور الدين 

ما معنى كلمة «العدو»؟

في المفهوم الشائع، العدو هو شخص قد يكون قريبًا منك: زميل عمل، فردًا من العائلة، أو حتى غريبًا لا تعرفه. المهم أنه كائن حي عاقل، يحمل نية الإيذاء، ويسعى لتحقيقها. هذا هو التعريف التقليدي الذي اعتدنا عليه جميعًا.

 

لكن لماذا كل هذا التمهيد؟ وهذا لأن حكايتنا اليوم تتحدث عن عدو غير متوقّع، عدو لا نتخيّل أنه يخطط أو ينتظر أو ينتقم.

 

 

في غرب روسيا، بعيدًا عن العمران والضوضاء، تمتد غابة جليدية تُعرف باسم «تايغا آمور»، غابة لا تهدأ فيها الرياح، ولا يذوب فيها الجليد، وتُعد من أخطر بقاع الأرض. ليست بعيدة عن الناس لأن لا أحد يعرفها، بل لأن من يدخلها نادرًا ما يعود؛ فإما تفتك به قسوة الطبيعة، أو يلقى حتفه على يد سيّد الغابة الحقيقي.

 

ذلك السيّد هو نمر آمور السيبيري، أضخم النمور في العالم، يصل وزنه إلى أكثر من مئتي كيلوغرام، ويتميّز بقوة هائلة وذكاء لافت، حتى إن الخبراء أجمعوا على أنه ليس مجرد حيوان مفترس، بل صياد يفكّر ويترقّب.

 

ورغم خطورته، أصبح هذا النمر هدفًا للصيد غير المشروع، خصوصًا من عصابات السوق السوداء، التي تسعى لجلده وأجزائه لاستخدامها في تجارة غير قانونية.

 

في عام 1997، تبدأ القصة مع رجل روسي يُدعى «فلاديمير ماركوف»، في الخمسين من عمره، صياد سابق، فشل في أكثر من عمل، ويعيش وحيدًا بلا أسرة ولا مورد رزق ثابت. حين سمع عن عرض مغرٍ لصيد نمر سيبيري مقابل مبلغ كبير، لم يتردد طويلًا. الحاجة والطمع كانا أقوى من الخوف.

 

توجّه فلاديمير إلى كوخه المعزول داخل الغابة، برفقة ثلاثة كلاب صيد مدرّبة، مستعينًا بصديق له يُدعى «مايكل» يمتلك كوخًا قريبًا. في الأيام الأولى، بدا كل شيء طبيعيًا، إلى أن تغيّر كل شيء في لحظة واحدة.

 

خلال إحدى جولاته، وجد فلاديمير نفسه وجهًا لوجه أمام النمر السيبيري، يفصل بينهما بضعة أمتار فقط. كانت عينا الحيوان تلمعان في صمت، وكأنها رسالة تحذير واضحة. لكن فلاديمير تجاهلها، وأطلق النار. لم يُصب النمر إصابة قاتلة، بل هرب، وترك خلفه جرحًا… وذاكرة.

 

منذ تلك اللحظة، لم يعد النمر فريسة، بل أصبح خصمًا.

 

في الأيام التالية، بدأ فلاديمير يلاحظ أشياء مقلقة: مخزن كوخه مفتوح، الطعام مختفٍ، آثار اقتحام متعمدة، وكأن هناك من يراقبه. وفي إحدى الليالي، لمح من بعيد عينين صفراوين تلمعان في الظلام. كان النمر قد عاد، لا ليأكل… بل ليراقب.

 

مع مرور الوقت، تحوّل الخوف إلى رعب حقيقي. الكوخ تعرّض للتخريب، الأدوات دُمّرت، والرسالة كانت واضحة: هذا ليس هجومًا عشوائيًا، بل انتقام محسوب.

 

حين حاول فلاديمير الهرب، كان القرار قد تأخر. النمر الذي جُرح ولم يُقتل، لم ينسَ، ولم يترك. وفي قلب الغابة المتجمدة، انتهت المواجهة الأخيرة.

 

بعد أيام، عُثر على آثار المأساة، وتأكد أن النمر السيبيري لم يكن مجرد حيوان مفترس، بل عدوًا ذكيًا، عرف كيف ينتظر، وكيف يرد.

 

لاحقًا، تعقّب الصيادون النمر، وانتهت قصته بعد مواجهة عنيفة، لكن الدرس بقي.

 

العدو لا يُقاس بالحجم أو الشكل، بل بالقدرة على التفكير.

والاستهانة، حين تقترن بالطمع، قد تفتح بابًا لا عودة منه.

 

ولو كان لهذه الحكاية اسم، فلن يكون سوى:

العدو الذكي.

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى